الحوكمة المرنة.. بين طمأنينة المستثمر وحرية المؤسس

01/11/2026 0
بدر بن عدنان الشيحة

في لقاءاتي مع مؤسسي الشركات الناشئة، غالبا ما يتكرر المشهد: مؤسس متحمس يرى في مستثمره الأول طوق نجاة، ثم ما يلبث أن يراه قيدًا حين تبدأ أسئلة الحوكمة في الظهور. فالمستثمر الجريء يطلب أطرًا رقابية متينة قبل أن يضع أمواله، بينما يحتاج المؤسس إلى مرونة وسرعة في القرار- وهما سر نجاحه ابتداء. وكلما اشتدت الرقابة تباطأت الشركة، وكلما غابت نفر المستثمر! وبين هذين الحدّين يبرز ما يُعرف بـ"الحوكمة المرنة": نهج إداري لا يقوم على الهياكل الهرمية الجامدة، بل على مبادئ عامة وهياكل انسيابية، كالفرق ذاتية الإدارة والهياكل الشبكية، تمكّن الشركة من استشراف المخاطر واغتنام الفرص مبكرًا، دون أن تفقد قدرتها على الابتكار والاستجابة السريعة.

غير أن قبول هذا النهج ليس مسألة فنية بقدر ما هو تحدٍّ نفسي، وهو تحدٍّ نعرفه جيدًا في سياق الشركات العائلية. فبحسب المركز الوطني للمنشآت العائلية، تمثل هذه المنشآت 95% من المنشآت التجارية العاملة في المملكة وتوظف 57% من موظفي القطاع الخاص، ومع ذلك فإن 59% منها بلا خطة لتعاقب الأجيال و75% بلا ميثاق عائلي. وهذه الفجوة ليست وليدة الجهل بأهمية الحوكمة، بل وليدة صعوبة الفصل بين الملكية والإدارة، ومقاومة التغيير خوفًا من فقدان السيطرة. وهو الخوف ذاته الذي يسكن رائد الأعمال حين يتصور أن رقابة المستثمرين ستنهي استقلاليته التشغيلية. ولأن الداء واحد فالدواء واحد، وهو من دون شك ليس في فرض لوائح صارمة، بل في تغيير الفكر التنظيمي نحو منظمة تتعلم باستمرار، تتحدى افتراضاتها، وتتكيف مع الأفكار الجديدة دون أن تفقد انضباطها. وقد علمتني التجربة أن الرهان الحقيقي هنا ليس على الوثائق المكتوبة، بل على القيم المتجسدة في السلوك اليومي؛ فالثقافة التي يتنفسها الفريق هي ما يحمي الشركة حين تهب العواصف، لا اللوائح التي قد لا يقرأها أحد بعد توقيعها.

ولترجمة هذا الفكر إلى واقع يرضي المستثمر ولا يقيد المؤسس، تُستبدل السياسات الجامدة بسياسات قابلة للتكيف تركز على المبادئ العامة بدل القواعد التفصيلية، ويكون جوهرها مصفوفة صلاحيات تعمل كأداة موجهة ومانعة في آن واحد (Directive and Preventive Control)، تفوّض السلطة لصناع القرار في مختلف المستويات، مقابل مساءلة صريحة تحدد من يقرر ومن يساءل. والخطر هنا يكمن في قطبية الفكر: فقد رأينا منظمات ذبل بريقها بسبب التقتير في إسناد الصلاحيات ومركزية مفرطة جاءت على حساب الإنجاز، ورأينا في المقابل إفراطًا في التفويض فتح الباب للاحتيال وتقديم المصالح الشخصية على مصلحة المنظمة. ولذلك ينبغي أن تُهندس المصفوفة على مقاس شهية الشركة للمخاطر ومرحلة نموها، فتتدرج متطلباتها مع كل جولة تمويل بدل أن تُفرض دفعة واحدة، وأن تُراجع دوريًا حتى لا تتحول هي نفسها إلى جمود جديد. بهذا التوازن يحمي المستثمر أمواله عبر المساءلة، ويحصل المؤسس على مساحة التحرك السريع.

لكن مصفوفة الصلاحيات تظل حبرًا على ورق ما لم يتبناها من يملك سلطة تطبيقها، وهنا يأتي دور مجلس الإدارة بوصفه حجر الزاوية في هذه المعادلة، فهو من يقود التحول ويرسي ثقافة الحوكمة بأسلوب القيادة بالقدوة (the tone at the top)، إذ لا يمكن لمجلس يتجاوز صلاحياته أن يطالب الإدارة التنفيذية بالانضباط. ومرة أخرى يمكن الاستفادة من تجربة الشركات العائلية، إذ يوصي الميثاق الاسترشادي للشركات العائلية السعودية، الصادر عن وزارة التجارة عام 2018، بضم أعضاء مستقلين من خارج دائرة التأسيس يملكون الخبرة والكفاءة لاتخاذ القرارات الاستراتيجية بموضوعية بعيدًا عن المؤثرات الشخصية. فوجود العضو المستقل، مدعومًا بآليات واضحة لحل الخلافات، يحوّل اجتماعات المجلس من جلسات دفاعية يبرر فيها المؤسس قراراته إلى منصات لتوجيه بوصلة الشركة نحو الاستدامة.

ومجلس بهذه الصفة يحتاج إلى عيون تمده بالمعلومة، وهنا ينبغي النظر إلى الأنشطة الرقابية بوصفها شريكًا استراتيجيًا لا شرطيًا يتربص بالأخطاء. ففي ظل الحوكمة المرنة، تتولى المراجعة الداخلية وإدارة المخاطر دور الثرمومتر الذي يقيس حرارة المخاطر الناشئة ويزود المجلس والإدارة بمعلومات دقيقة تحسّن القرار، بل وتخلق بيئة آمنة للتجربة والتعلم من الأخطاء. ولعل هذا تحديدًا ما يطمئن المستثمر أكثر من أي بند تعاقدي: أن هناك من يرى ما لا يراه المؤسس المنشغل بالنمو. وحين تتكامل هذه الرقابة مع مصفوفة صلاحيات حية ومجلس يقود بالقدوة وثقافة تسبق اللوائح، تتحول الحوكمة في الشركات الناشئة من عبء بيروقراطي يخشاه المؤسسون إلى ركيزة تحمي حقوق المستثمرين وتدفع ريادة الأعمال نحو آفاق أرحب، بما يخدم مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تنويع الاقتصاد ودعم الابتكار.

 

خاص_الفابيتا