المراعي.. إعادة رسم خريطة الغذاء

30/08/2026 0
راضي الحداد

(ليس المهم أن تكبر الشركة.. بل أن تزيد قيمة كل ريال تستثمره.)

من فصل الدواجن إلى إعادة تخصيص رأس المال

في مقالي السابق، الذي حمل عنوان "كيف ترفع المراعي قيمتها؟"، طرحت فكرة إعادة النظر في هيكل أعمال شركة المراعي، وبالأخص قطاع الدواجن، باعتباره نشاطًا أصبح كبيرًا بما يكفي ليعمل كشركة مستقلة. لم تكن الفكرة بيع الدواجن أو التخارج منها، بل طرح سؤال أوسع يجب أن يشغل إدارة أي شركة كبيرة:

ليس فقط: كيف ننمو؟ وإنما: كيف نستخدم رأس المال بطريقة تخلق أكبر قيمة للمساهمين؟

ومن هنا تأتي الفكرة التالية:

فصل قطاع الدواجن في شركة مستقلة، وطرح 30% منها في السوق، مع احتفاظ المراعي بنسبة 70%، ثم توجيه جزء من حصيلة الطرح إلى دراسة الاستحواذ على سدافكو. هذه ليست صفقة بيع وشراء تقليدية، بل محاولة لإعادة هندسة رأس المال ومحفظة الأعمال بهدف جعل المراعي أكثر تركيزًا وقوة.

الدواجن.. لم تعد مجرد قطاع داخل المراعي

 الأرقام تؤكد أن قطاع الدواجن أصبح نشاطًا استراتيجيًا قائمًا بذاته، فقد حقق قطاع الدواجن في المراعي خلال عام 2025 إيرادات تقارب 3.93  مليار ريال، وصافي ربح عائد للمساهمين يقارب 490 مليون ريال. كما تمتلك المراعي موقعًا قياديًا في سوق الدواجن السعودية، وتواصل الاستثمار بقوة في توسيع الطاقة الإنتاجية.

وهنا تظهر المفارقة:

كلما أصبح النشاط أكثر نجاحًا وحجمًا، زادت الحاجة إلى التساؤل: هل من الأفضل أن يبقى هذا النشاط جزءًا من شركة كبيرة متعددة الأنشطة، أم أن منحه استقلالية أكبر يمكن أن يخلق قيمة إضافية؟ أعتقد أن الخيار الثاني يستحق الدراسة.

لماذا 30% وليس 100%؟

أنا لا أقترح أن تبيع المراعي قطاع الدواجن، بل أقترح بيع 30%  فقط منه، مع بقاء المراعي مالكة لـ 70%. وهذا الهيكل يجمع بين ميزتين: السيطرة الاستراتيجية من جهة، واستقلالية السوق من جهة أخرى.

فتصبح شركة الدواجن ذات إدارة ومجلس إدارة وقوائم مالية ومؤشرات أداء أكثر استقلالية، ويحصل النشاط على تقييم سوقي مستقل، بينما تبقى المراعي المساهم المسيطر والمستفيد الأكبر من نموه. وهنا لا يكون الطرح عملية تخارج، بل عملية إظهار للقيمة التي كانت موجودة داخل الشركة ولكنها غير ظاهرة بالكامل في تقييمها السوقي.

رأس المال ليس للادخار.. بل لإعادة التخصيص

ماذا ستفعل المراعي بحصيلة بيع الـ30%؟

إذا احتفظت بها نقدًا، فقد تكون استفادت من الطرح ماليًا فقط، أما إذا أعادت استثمارها في نشاط تستطيع أن تحقق فيه عائدًا أعلى، فإنها تكون قد قامت بما هو أهم: إعادة تخصيص رأس المال. وهذا أحد أهم مبادئ إدارة الشركات الناجحة.

في كتابه The Outsiders، يوضح William Thorndike أن أحد أهم الفروق بين الرؤساء التنفيذيين الاستثنائيين وغيرهم هو قدرتهم على اتخاذ قرارات رأسمالية جيدة:

متى يستثمرون؟ متى يشترون؟

متى يبيعون؟ ومتى يعيدون شراء الأسهم؟

فالمدير التنفيذي لا يدير العمليات فقط؛ إنه يدير رأس المال.

وهنا أقترح أن يكون أحد الاستخدامات الرئيسية لحصيلة طرح الدواجن هو دراسة الاستحواذ على سدافكو.

لماذا سدافكو تحديدًا؟

لأن سدافكو ليست مجرد شركة أخرى في قطاع الأغذية. هي تعمل في قلب المجال الذي تتمتع فيه المراعي أصلًا بمزايا تنافسية: الألبان، الأغذية، التوزيع، العلامات التجارية، سلسلة التبريد، والوصول إلى المستهلك. وهذه ليست صفقة تنويع بعيدا عن النشاط الأساسي، بل استحواذ مرتبط بالنشاط الأساسي يمكن أن يخلق وفورات وتآزرًا تشغيليًا واستراتيجيًا. لكن جاذبية الصفقة لا تتوقف عند التآزر التشغيلي.

 الاستحواذ لا يضيف إيرادات فقط.. بل يضيف قيادة سوقية

هناك جانب استراتيجي مهم في سدافكو، وهو موقعها في سوق الحليب طويل الأجل (UHT).

فسدافكو تتمتع بموقع قيادي في هذه الفئة، وتتفوق في حصتها السوقية على المراعي. وهذا يعني أن الاستحواذ عليها يمكن أن يغير معادلة المنافسة. فالمراعي لديها موقع قيادي قوي في الألبان الطازجة، ومن خلال سدافكو يمكنها تعزيز موقعها في الحليب طويل الأجل، بحيث تصبح لاعبًا أقوى في هذه الفئة أيضًا. وهنا لا تكون المراعي قد اشترت فقط إيرادات وأرباحًا جديدة، بل تكون قد اشترت مركزًا قياديًا في سوق استراتيجي.

الآيس كريم.. قصة أخرى

 هناك فئة أخرى تجعل الصفقة أكثر جاذبية: الآيس كريم. سدافكو تمتلك حضورًا قويًا وعلامة تجارية معروفة في هذه الفئة من خلال السعودية. وبالتالي يمكن للاستحواذ أن يمنح المراعي موقعًا أقوى في سوق الآيس كريم، إلى جانب قوتها التاريخية في الألبان والأغذية.

وبذلك تصبح الصورة مختلفة تمامًا:

المراعي لا تشتري سدافكو فقط لتضيف أرباحها، بل تحصل على فرصة لبناء قيادة أقوى في: الألبان الطازجة، والحليب طويل الأجل، والآيس كريم، والأغذية.

من النمو إلى الخندق الاقتصادي

Warren Buffett تحدث كثيرًا عن أهمية وجود Economic Moat؛ أي «خندق اقتصادي» يحمي الشركة من المنافسين. والخندق لا يأتي بالضرورة من مصنع واحد أو منتج واحد، بل قد يأتي من اجتماع عدة عناصر يصعب على المنافسين تقليدها: علامة تجارية قوية، توزيع واسع، حجم كبير، قوة شرائية، سلسلة تبريد، بيانات المستهلك، قدرة تصنيعية، وفورات الحجم.

إذا نجحت المراعي في الجمع بين قدراتها الحالية وقدرات سدافكو، فقد يصبح هذا الخندق أعمق. وهنا تصبح عملية الاستحواذ وسيلة لتعزيز الميزة التنافسية، وليس مجرد زيادة حجم الشركة.

ماذا يمكن أن يحدث للقيمة؟

إذا افترضنا، فقط لأغراض التوضيح، أن صافي ربح قطاع الدواجن يقارب 490  مليون ريال، فإن قيمة الشركة المستقلة ستعتمد على مضاعف التقييم الذي سيمنحه السوق.

عند مضاعف 20  مرة للأرباح:

490 مليون × 20 = 9.8 مليارات ريال

وتكون قيمة 30% نحو:

2.94 مليار ريال.

وعند مضاعف 25 مرة للأرباح:

490 مليون × 25 = 12.25 مليار ريال

وتبلغ قيمة 30% نحو:

3.68 مليارات ريال.

هذه الأرقام ليست تقييمًا أو توقعًا لسعر الطرح، وإنما توضيح لكيفية تحويل جزء من قيمة الدواجن إلى رأس مال قابل لإعادة الاستثمار. وهنا المراعي لا تفقد السيطرة على هذا الأصل، بل تحتفظ بـ70 %. وهل تكفي حصيلة الطرح لشراء سدافكو؟ غالبًا لن تكون المسألة بهذه البساطة.

فالقيمة السوقية لسدافكو ليست بالضرورة سعر الاستحواذ النهائي، لأن أي استحواذ محتمل قد يتطلب علاوة للمساهمين، كما أن هيكل الصفقة والموافقات والتمويل ستؤثر في التكلفة النهائية. لكن حصيلة طرح الدواجن يمكن أن تمثل جزءًا مهمًا من تمويل الصفقة، بينما يمكن أن يأتي الجزء المتبقي من:

التدفقات النقدية التشغيلية، التمويل البنكي، أدوات الدين، ومزيج من هذه الخيارات.

والهدف ليس تمويل الصفقة بأرخص طريقة فقط، وإنما تمويلها بطريقة تحافظ على قوة الميزانية وتحقق عائدًا أعلى من تكلفة رأس المال. هل الاستحواذ يخلق قيمة فعلًا؟ الاستحواذ على شركة ممتازة لا يعني بالضرورة أنه استثمار ممتاز.

وهنا يجب أن تجيب المراعي عن أربعة أسئلة رئيسية قبل أي صفقة:

أولًا: هل السعر عادل؟

إذا دفعت المراعي سعرًا مرتفعًا جدًا، فقد تنتقل القيمة من مساهمي المراعي إلى مساهمي سدافكو.

ثانيًا: هل يوجد تآزر حقيقي؟

هل تستطيع المراعي تخفيض تكاليف التوزيع والنقل والتخزين والمشتريات والتصنيع والمصاريف الإدارية؟

ثالثًا: هل تستطيع رفع المبيعات؟

هل يمكن لشركة المراعي أن تساعد سدافكو على الوصول إلى أسواق وقنوات جديدة؟

وهل تستطيع سدافكو بالمقابل إضافة منتجات قوية إلى قنوات المراعي؟

رابعًا: هل يرتفع ROIC؟

إذا لم يرتفع العائد على رأس المال المستثمر فوق تكلفة رأس المال، فلا ينبغي تنفيذ الصفقة مهما كان حجمها.

فالصفقة الناجحة ليست الأكبر حجمًا، بل التي تحقق عائدًا أعلى من تكلفة رأس المال.

هنا يأتي درس Jim Collins، في كتابه الشهير Good to Great، طرح Jim Collins مفهوم Hedgehog Concept.

الفكرة ببساطة:

الشركات العظيمة لا تحاول أن تكون كل شيء لكل الناس، بل تعرف ما الذي يمكنها أن تكون الأفضل فيه.

وهذا الدرس ينطبق بشكل واضح على المراعي.

فإذا كانت المراعي تستطيع أن تكون من أقوى شركات الأغذية في المنطقة، فلماذا تتشتت في أنشطة بعيدة عن جوهرها؟

الأفضل أن تبني على ما تعرفه، وأن تعمق خندقها، وأن تستخدم رأس المال في الأسواق التي تمتلك فيها بالفعل:

الخبرة + العلامة التجارية + التوزيع + الحجم + ثقة المستهلك.

ماذا يحدث للمساهم؟

المساهم في المراعي بعد إعادة الهيكلة لن يكون أمام خيار:

إما الدواجن أو سدافكو.

بل يمكن أن يحصل على الاثنين بشكل غير مباشر:

 70% من شركة الدواجن المستقلة، شركة مراعي أكثر تركيزًا، حصة اقتصادية في سدافكو بعد الاستحواذ، موقع أقوى في الحليب طويل الأجل، موقع أقوى في الآيس كريم.

وهنا تبدأ قصة Sum of the Parts؛ أي أن قيمة المراعي يمكن أن تصبح أكثر وضوحًا عندما يستطيع السوق تقييم كل نشاط بحسب خصائصه ومعدلات نموه وربحيته.

من "فصل الدواجن" إلى "إعادة رسم المراعي"

في المقال السابق، كان فصل الدواجن هو الفكرة الرئيسية.

لكن بعد التفكير في استخدام حصيلة الطرح، أعتقد أن الصورة الأكبر هي إعادة رسم محفظة المراعي. نحن لا نريد فصل الدواجن من أجل الفصل، ولا نريد شراء سدافكو من أجل الشراء. بل نريد أن نصل إلى هيكل تصبح فيه كل وحدة قادرة على تحقيق أفضل أداء ممكن.

الدواجن: شركة مستقلة، 30% للسوق و70% للمراعي.

المراعي: تركيز أكبر على أعمال الغذاء والألبان.

سدافكو: إضافة إلى المنصة الغذائية إذا تم الاستحواذ عليها بسعر عادل.

والنتيجة المستهدفة: شركة أكثر تركيزًا، وأكثر قوة، وأكثر وضوحًا للمستثمر.

التجربة العالمية: لا تخف من إعادة تشكيل الشركة

الشركات العالمية الكبرى لم تصل إلى حجمها الحالي بالتمسك دائمًا بالهيكل نفسه.

Danaher، على سبيل المثال، فصلت Fortive وأعادت تشكيل محفظتها، ثم واصلت استخدام رأس المال في الاستحواذات وإعادة بناء المنظومة حول الأنشطة التي تستطيع تحقيق أفضل عائد فيها.

وفي قطاع الأغذية، شهدنا أيضًا عمليات فصل وإعادة تنظيم كبيرة مثل Kraft Foods وMondelez.

والدرس ليس أن الفصل جيد دائمًا. بل أن هيكل الشركة يجب أن يتغير عندما يصبح الهيكل القديم عائقًا أمام خلق القيمة.

المراعي.. هل تحتاج إلى أن تصبح أكبر أم أفضل؟

 أعتقد أن المراعي وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها النمو وحده كافيًا. الشركة حققت في 2025 إيرادات تتجاوز 22 مليار ريال وصافي ربح يقارب 2.46 مليار ريال. وعندما تصل شركة إلى هذا الحجم، فإن كل قرار رأسمالي يصبح أكثر أهمية. فاستثمار مليار ريال في نشاط معين يعني التخلي عن فرصة استثمار مليار ريال في نشاط آخر.

وهذا هو جوهر Opportunity Cost، أو تكلفة الفرصة البديلة. لذلك فإن أفضل إدارة ليست التي تستثمر أكثر، بل التي تعرف: أين تستثمر، ومتى، وبأي سعر، وبأي عائد.

الخلاصة: صفقة يمكن أن تغير المعادلة

الفكرة التي أطرحها ليست توصية بشراء سهم المراعي أو سدافكو، وليست دعوة إلى تنفيذ صفقة دون دراسة. إنها أطروحة استراتيجية تستحق أن تُدرس بجدية.

أن تقوم المراعي بفصل قطاع الدواجن وطرح 30% منه، مع الاحتفاظ بـ70%، ثم إعادة توجيه جزء من رأس المال إلى الاستحواذ على سدافكو، يمكن أن يحقق أكثر من هدف في وقت واحد:

• تحرير قيمة الدواجن.

• الحفاظ على السيطرة عليها.

• توفير رأس مال لإعادة الاستثمار.

• تعزيز المراعي في نشاطها الأساسي.

• الوصول إلى مركز أقوى في الحليب طويل الأجل.

• تعزيز موقعها في الآيس كريم.

• توسيع الخندق الاقتصادي للمجموعة.

• والأهم: تحويل رأس المال من مجرد «امتلاك أصول» إلى «امتلاك أصول أكثر قدرة على خلق القيمة».

وربما تكون أفضل طريقة لوصف الفكرة هي:

«المراعي لا تبيع الدواجن لكي تتخلى عنها، ولا تشتري سدافكو لكي تكبر؛ بل تعيد توزيع رأس مالها لكي تصبح أقوى في الغذاء.»

في عالم الأعمال، ليس السؤال دائمًا: كم تملك؟

بل السؤال الأهم: ماذا تفعل بما تملك؟

وهنا تبدأ صناعة القيمة الحقيقية.

 

خاص_الفابيتا