قطاع الأسمنت بين تحسن الهوامش وتآكل الأرباح.. بالنصف الأول 2026

23/08/2026 2
حسين بن حمد الرقيب

تكشف نتائج شركات الأسمنت السعودية في النصف الأول من 2026 عن قطاع يتحرك بسرعات مختلفة. فبين شركات ضاعفت أرباحها، وأخرى حافظت على استقرارها، وثالثة فقدت جزءاً كبيراً من ربحيتها، وشركة تحولت إلى الخسائر، يبدو واضحاً أن العامل الحاسم لم يعد حجم المبيعات وحده، بل أصبح مزيجاً من السعر، والكميات، وتكلفة الوقود، وكفاءة التشغيل، وتنوع مصادر الدخل. واللافت أن الشركات الأربع عشرة المدرجة حالياً لا تواجه الظروف نفسها بالحدة ذاتها، رغم عملها في سوق واحدة. كما أن أسمنت حائل لم تعد شركة مستقلة بعد استحواذ أسمنت القصيم عليها في 2024، ولذلك تظهر نتائجها اليوم ضمن الكيان الموحد لأسمنت القصيم. الصورة العامة تقول إن القطاع دخل مرحلة أصبح فيها التفوق التشغيلي أكثر أهمية من مجرد امتلاك طاقة إنتاجية كبيرة. فمن استطاع حماية الأسعار أو خفض التكاليف حافظ على هوامشه، ومن اجتمع عليه انخفاض الأسعار وارتفاع الوقود وضعف الطلب تعرض لضغط واضح.

العربية.. أفضل نمو في القطاع

جاءت أسمنت العربية في مقدمة الشركات من حيث نمو الأرباح، بعدما ارتفعت أرباح النصف الأول إلى نحو 90.3 مليون ريال مقابل 44.1 مليون ريال في الفترة المماثلة. المفارقة أن هذا التحسن الكبير لم يكن نتيجة طفرة في الإيرادات، بل جاء من تحسن متوسط سعر البيع، وانخفاض مصروف الاستهلاك بعد تعديل العمر الإنتاجي لبعض الأصول، إلى جانب نمو صادرات الشركة التابعة. هذه النتيجة تعكس أهمية إدارة الهوامش. ففي الربع الثاني مثلاً انخفضت الإيرادات قليلاً، بينما ارتفعت الأرباح بنحو 48%، ما يعني أن كل ريال مبيعات أصبح يحقق ربحاً أفضل من السابق.

أم القرى.. تحسن في المبيعات والتكلفة معا

حققت أسمنت أم القرى أرباحاً بلغت 37.4 مليون ريال بنمو يقارب 80%. ويختلف نموها عن العربية في أن التحسن جاء من جانبي المعادلة معاً؛ ارتفاع المبيعات وتحسن الأسعار من جهة، وتراجع المصروفات البيعية والإدارية وتكاليف التمويل من جهة أخرى. الربع الثاني حافظ على هذا الاتجاه، إذ ارتفعت الإيرادات بنحو 26% والأرباح بنحو 29%. وهذه من الحالات القليلة في القطاع التي ظهر فيها نمو واضح في النشاط التشغيلي انعكس مباشرة على صافي الربح.

الشمالية.. التوسع الخارجي يبدأ بإظهار أثره

ارتفعت أرباح أسمنت الشمالية 48% إلى 31.1 مليون ريال، مدفوعة بارتفاع الكميات مع بدء العمليات التشغيلية لاستثمارات خارجية. هذه النتيجة مهمة لأنها تظهر فائدة التنويع الجغرافي في قطاع شديد الارتباط بالطلب المحلي. فالشركات التي تمتلك أسواقاً إضافية أو منافذ خارجية تصبح أقل اعتماداً على دورة المشاريع في منطقة واحدة، وهو ما يمنحها مرونة أكبر عند تباطؤ الطلب المحلي.

ينبع.. أرباح أعلى رغم إيرادات أقل

حققت أسمنت ينبع أرباحاً بلغت 68.8 مليون ريال بنمو 34%، رغم انخفاض الإيرادات. هذا التناقض الظاهري يختصر كثيراً من قصة القطاع في 2026. فالشركة استفادت من انخفاض تكلفة البضاعة المبيعة والمصاريف الإدارية والبيعية وتكاليف التمويل، إضافة إلى تحسن أسعار البيع. وفي الربع الثاني قفز صافي الربح نحو 45% رغم انخفاض الإيرادات 15%. وهذا يعني أن الشركة عوضت ضعف الكميات بتحسن واضح في التسعير والكفاءة التشغيلية.

الشرقية.. نمو مدعوم بأكثر من نشاط

سجلت أسمنت الشرقية أرباحاً قدرها 141 مليون ريال بنمو يقارب 13%. النمو لم يعتمد على الأسمنت فقط، بل جاء أيضاً من مبيعات الخرسانة مسبقة الصنع، وتحسن نتائج الشركات الزميلة، ومكاسب إعادة تقييم بعض الاستثمارات. كما أن الشركة انتهت من تنفيذ خط إنتاج جديد بطاقة كبيرة، وهو ما يرفع قدرتها الإنتاجية مستقبلاً. لكن زيادة الطاقة تظل ميزة فقط إذا كان السوق قادراً على استيعاب الإنتاج بأسعار تحافظ على الهوامش.

الجنوب.. تحول قوي داخل النصف الأول

حققت أسمنت الجنوب نحو 20 مليون ريال في النصف الأول، بنمو محدود مقارنة بالفترة المماثلة، لكن الصورة داخل العام أكثر إثارة. ففي الربع الثاني قفزت الأرباح إلى 24.2 مليون ريال مقارنة بنحو 2.7 مليون ريال فقط قبل عام، مستفيدة من انخفاض تكلفة المبيعات وتحسن الكميات. هذه النتائج تشير إلى تحسن تشغيلي واضح في الربع الثاني، رغم استمرار الضغط على متوسط أسعار البيع.

اليمامة.. نمو طفيف يخفي تغيراً في مكونات الربح

ارتفعت أرباح أسمنت اليمامة بشكل طفيف إلى 265.4 مليون ريال، لتظل من أكبر شركات القطاع ربحية. لكن قراءة الرقم وحده قد تكون مضللة؛ فالمبيعات تراجعت نتيجة انخفاض متوسط سعر البيع رغم ارتفاع الكميات، بينما استفادت الشركة من إيرادات أخرى ناتجة عن بيع بعض ملحقات خطوط الإنتاج القديمة، إلى جانب انخفاض المصاريف التمويلية. وهذا يجعل جودة النمو التشغيلي أكثر أهمية من نسبة النمو نفسها. ومع بدء التشغيل التجاري للخط الجديد، سيكون التحدي في تحويل الطاقة الإنتاجية الإضافية إلى مبيعات مربحة، لا مجرد زيادة الكميات.

السعودية.. استقرار نسبي مع تحسن في الربع الثاني

تراجعت أرباح أسمنت السعودية بشكل طفيف إلى نحو 202.2 مليون ريال، بعدما ضغط انخفاض الكميات وقيمة المبيعات والإيرادات الأخرى على نتائج النصف الأول. لكن الربع الثاني قدم صورة أفضل، إذ ارتفعت الأرباح بنحو 7% مع ارتفاع المبيعات المحلية وانخفاض بعض المصروفات التمويلية والبيعية. وهذا قد يشير إلى بداية تحسن تدريجي، لكنه يحتاج إلى استمرار نمو الكميات دون مزيد من الضغط على الأسعار.

الرياض.. الوقود يضغط على الهوامش

انخفضت أرباح أسمنت الرياض 17% إلى نحو 110 ملايين ريال. الشركة واجهت انخفاضاً في أسعار وكميات الأسمنت الأسود، بالتزامن مع ارتفاع تكلفة الوقود. ورغم تحسن أداء الأسمنت الأبيض، فإنه لم يكن كافياً لتعويض الضعف في النشاط الآخر. وهنا يظهر تأثير الوقود بوضوح؛ فحتى مع استقرار الإيرادات نسبياً، يمكن أن تتراجع الأرباح إذا ارتفعت تكلفة إنتاج الطن بصورة أسرع من قدرة الشركة على رفع الأسعار.

القصيم.. ضغط السعر والتكلفة بعد توسع الكيان

تراجعت أرباح أسمنت القصيم إلى 120.5 مليون ريال، بانخفاض يقارب 19%. والشركة اليوم تمثل كياناً أكبر بعد استحواذها على أسمنت حائل، لكن الحجم وحده لم يمنع الضغوط. فقد تضررت النتائج من انخفاض متوسط أسعار البيع والكميات، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التشغيل بسبب الوقود وتراجع عوائد الاستثمارات المالية. وهذه النتيجة تؤكد أن التوسع عبر الاستحواذ يمنح الحجم والانتشار، لكنه لا يلغي أثر دورة السوق أو ارتفاع التكلفة.

المدينة.. ضغط مزدوج من السعر والوقود

كانت أسمنت المدينة من أكثر الشركات تراجعاً، إذ انخفضت أرباحها إلى 44.8 مليون ريال، أي نحو نصف أرباح الفترة المماثلة. السبب كان مزيجاً صعباً: انخفاض الكميات، وتراجع متوسط سعر البيع، وارتفاع تكلفة المبيعات بسبب الوقود. وفي الربع الثاني وحده تراجعت الأرباح قرابة 60%، وهو ما يعكس شدة الضغط على الهوامش التشغيلية.

نجران.. الربحية تتراجع والتحفظ يضيف بعداً آخر

انخفضت أرباح أسمنت نجران إلى نحو 12 مليون ريال، بتراجع 45%. ورغم تحسن ربح الربع الثاني مقارنة بالفترة المماثلة، فإن الصورة المالية لا تتوقف عند الربحية. فقد أصدر المراجع استنتاجاً متحفظاً يتعلق باختبار انخفاض قيمة الممتلكات والآلات والمعدات، وعدم توفر أدلة كافية لتقييم بعض الافتراضات المستخدمة. ولذلك فإن قراءة نتائج نجران تحتاج إلى النظر إلى جودة الأصول بقدر النظر إلى صافي الربح.

تبوك.. أقسى تراجع بين الشركات الرابحة

هبطت أرباح أسمنت تبوك إلى 4.6 مليون ريال، بتراجع بلغ 83%، فيما تقلص ربح الربع الثاني إلى نحو نصف مليون ريال فقط. الشركة ربطت هذا التراجع بانخفاض الطلب نتيجة توقف الأعمال في بعض المشاريع الكبرى في المنطقة، إلى جانب ارتفاع تكلفة الوقود. وهذه الحالة تبرز مخاطر الاعتماد الكبير على الطلب الجغرافي المحلي؛ فعندما تتباطأ المشاريع في نطاق الشركة المباشر، تظهر آثار ذلك سريعاً في المبيعات والربحية.

الجوف.. المشكلة تتجاوز تراجع الأرباح

تبقى أسمنت الجوف الحالة الأكثر تحدياً في القطاع، بعدما سجلت خسائر تقارب 46 مليون ريال في النصف الأول. الخسائر ليست المشكلة الوحيدة؛ فالشركة لديها خسائر متراكمة تقارب 177 مليون ريال، وعجز كبير في رأس المال العامل، إضافة إلى تحفظات تتعلق بتقييم بعض الأصول والمخزون. كما أشار المراجع إلى وجود عدم تأكد جوهري قد يثير شكاً حول قدرة الشركة على الاستمرار كمنشأة مستمرة. وهنا تختلف أسمنت الجوف عن بقية الشركات؛ فالقضية ليست مجرد دورة سوق ضعيفة، بل تتعلق أيضاً بمتانة المركز المالي وجودة الأصول والقدرة على تمويل العمليات.

النصف الأول يكشف قطاعاً منقسم الأداء

إذا جمعنا نتائج الشركات الأربع عشرة، يتضح أن قطاع الأسمنت لا يسير في اتجاه واحد. العربية وأم القرى والشمالية وينبع والشرقية والجنوب واليمامة حققت درجات متفاوتة من النمو، بينما تعرضت السعودية والرياض والقصيم والمدينة ونجران وتبوك لضغوط مختلفة، وتحولت الجوف إلى خسائر. والقاسم المشترك في معظم النتائج كان واضحاً: أسعار البيع وتكلفة الوقود. بعض الشركات استطاعت تمرير جزء من ارتفاع التكلفة إلى الأسعار، وأخرى عوضته بخفض المصروفات أو تحسين الكفاءة، بينما لم تتمكن شركات أخرى من ذلك بسبب ضعف الطلب أو المنافسة أو الاعتماد على مناطق جغرافية محددة. وهذا يجعل المرحلة المقبلة أكثر حساسية. فمع امتلاك القطاع طاقات إنتاجية كبيرة، لا تبدو المشكلة في القدرة على إنتاج الأسمنت، بل في القدرة على بيع الكميات بالسعر الذي يحافظ على الربحية. من هنا، لن يكون الفائز في المرحلة القادمة بالضرورة صاحب المصنع الأكبر أو الطاقة الأعلى، بل الشركة الأكثر قدرة على إدارة معادلة تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها حاسمة في نتائج القطاع: كمية مناسبة، بسعر مناسب، وبتكلفة تحت السيطرة.

 

نقلا عن الرياض