تعزيز التقدم: تنويع مصادر الطاقة في المملكة العربية السعودية

12/08/2026 0
م. جيسيكا عبيد

تُعطي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأولوية لزيادة توليد الطاقة، بما في ذلك مصادر الطاقة المتجددة، لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء وخفض الطلب المحلي على الوقود الأحفوري. إلا أن المملكة العربية السعودية تتبنى استراتيجية شمولية مزدوجة من خلال الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة وتدابير كفاءة الطاقة. هذه الاستراتيجية المزدوجة تُقلل من الاعتماد المحلي على الهيدروكربونات، وتُخفف الضغط على الميزانيات العامة، وتُتيح الموارد للتصدير بطريقة أكثر استدامة.

استراتيجية طاقة ثنائية المحور

تاريخياً كان استهلاك الطاقة في المملكة العربية السعودية كبيراً جداً. ومع جهود كفاءة الطاقة الأخيرة، تستهلك قطاعات المباني والصناعة والنقل ما مجموعه 4.21 مليون برميل من النفط يومياً. وقد شكل الطلب المرتفع على الطاقة ضغطاً كبيراً ومزمناً على الموارد الهيدروكربونية والميزانيات العامة للمملكة، وحدّ من توافر الهيدروكربونات للتصدير، وهو مصدر دخل حيوي للاقتصاد السعودي. ويعود هذا الطلب الكبير إلى عوامل متعددة بما في ذلك: 1) النمو السكاني، 2) النمو الاقتصادي والصناعي، 3) ارتفاع درجات الحرارة مما يؤدي إلى نمو الطلب على التبريد والمياه، 4) الرقمنة، و5) وأخيراً، أسعار الطاقة المدعومة التي تؤدي إلى استهلاك مسرف.

ولمعالجة هذا الأمر، تبنت المملكة استراتيجية مزدوجة: 1) مضاعفة الجهود في نشر الطاقة المتجددة لتلبية احتياجات الطاقة المحلية، و2) الاستثمار في تدابير إدارة جانب الطلب، والتي تؤدي إلى خفض الطلب المحلي على الهيدروكربونات، وتحديداً في قطاع الطاقة.

قفزة نوعية مع الشمس والرياح: دفعة نحو الطاقة المتجددة

يُعد هدف المملكة للطاقة المتجددة هو الأكثر طموحاً في الشرق الأوسط، وتستهدف تركيب قدرة إجمالية تتراوح بين 100 جيجاوات و130 جيجاوات من الطاقة المتجددة بحلول عام 2030 - اعتماداً على الطلب على الكهرباء - للوصول إلى هدف إنتاج 50% من الكهرباء بحلول عام 2030. لتحقيق هذا الهدف، تطرح المملكة مناقصات بقدرة 20 جيجاوات سنوياً حتى عام 2030، ولديها الممكنات اللازمة لتحقيق ذلك. وتفتخر المملكة بموارد وفيرة من الطاقة المتجددة ومساحات شاسعة من الأراضي، وتستفيد من الدعم الحكومي، والتمويل الميسر، والمشاريع ضخمة الحجم.

يوجد حالياً 4 جيجاوات من الطاقة المتجددة متصلة بالشبكة، وحوالي 22 جيجاوات قيد الإعداد في مراحل مختلفة من التطوير؛ من مراحل البناء إلى عملية المناقصة. وقد أجرت المملكة مؤخراً مسحاً جغرافياً شاملاً، حيث حددت 1200 موقعا محتملا لمشاريع الرياح والطاقة الشمسية لتسهيل نشر 20 جيجاوات سنوياً، حيث ستركز غالبية المواقع على أنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية (PV) .وتتمتع المملكة بمستويات سطوع شمسي عالية يمكن التنبؤ بها، وهي مواتية لنشر الطاقة الشمسية الكهروضوئية بالرغم من التأثير السلبي للحرارة الشديدة على أداء أنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية، وكذلك بسرعات رياح مجدية تجارياً للمشاريع الخدمية الكبرى في العديد من المناطق، كما يتضح من تركيب مزرعة رياح دومة الجندل بقدرة 400 ميجاوات التي تم تشغيلها في عام 2021. ومع ذلك، فإن تقييم مواقع مشاريع الرياح أكثر تعقيداً من الطاقة الشمسية الكهروضوئية حيث يتطلب قياسات دقيقة للرياح وطرقاً واسعة تسهل الوصول إليها مراعاة للحجم الهائل لتوربينات الرياح. لذلك، فإن نشر الطاقة الشمسية الكهروضوئية على نطاق المرافق أكثر وضوحاً وأسرع.

تُعد مشاريع الطاقة المتجددة الضخمة ضرورية للمملكة لكي تحقق أهدافها الطموحة، ولذا تستفيد هذه المشاريع من وفورات الحجم والدعم الحكومي القوي في التمويل والتطوير. تتراوح محطات الطاقة الشمسية الكهروضوئية المنتشرة في المملكة من 300 ميجاوات إلى 2000 ميجاوات، بينما في المقابل، تتراوح مثيلاتها في بريطانيا من 50 إلى 150 ميجاوات. ومع ذلك، تتطلب مشاريع الطاقة المتجددة، وتحديداً المشاريع الضخمة، رأس مال كبير، يتم تمويله عادة من خلال تمويل المشاريع ودعمه باتفاقيات شراء الطاقة (PPAs) طويلة الأجل التي توفر للمطورين تدفقاً مستقراً للإيرادات وتقلل من المخاطر.

حققت المملكة أسعاراً قياسية منخفضة في مزادات مشاريع الطاقة الشمسية الكهروضوئية على نطاق المرافق، مما أدى إلى زيادة الاهتمام بالطاقة المتجددة وتمهيد الطريق لتوفير كهرباء منخفضة التكلفة. وتعود هذه الأسعار المنخفضة القياسية إلى مجموعة من العوامل: 1) سهولة الوصول إلى رأس المال وقدرة قوية على الاقتراض؛ 2) انخفاض تكاليف خدمة الدين؛ 3) شروط ممتدة لاتفاقيات شراء الطاقة؛ 4) الجدارة الائتمانية للطرف المقابل؛ 5) انخفاض تكاليف حيازة الأراضي؛ و6) ظروف ضريبية مواتية. إن هدف الطاقة المتجددة الطموح والعوامل المواتية في المملكة لا تقلل من اعتمادها على الوقود الأحفوري فحسب، بل تضعها أيضاً كلاعب رئيسي في أسواق الطاقة، بما يتجاوز النفط.

تعظيم الكفاءة: خفض الطلب من خلال الاستخدام الأمثل للطاقة

يعتمد تحقيق هدف المملكة العربية السعودية للطاقة المتجددة لعام 2030 المتمثل في 50% من الكهرباء - سواء كان 100 أو 130 جيجاوات - على حجم الطلب على الكهرباء وهذا يزيد من الحاجة إلى تدابير كفاءة الطاقة. ومع ذلك، فقد اتخذت المملكة بالفعل خطوات جريئة في هذا الاتجاه، حيث تبنت إجراءات صارمة لإدارة الطلب حققت خفضاً بنسبة 47% في استهلاك الطاقة المحلي خلال العقد الماضي - من 7.9 مليون برميل نفط يومياً في عام 2012 إلى حوالي 4.2 مليون برميل يومياً في عام 2022.

بدأ التركيز في المملكة على كفاءة الطاقة منذ أكثر من عقد من الزمان. في عام 2012، أطلقت المملكة البرنامج السعودي لكفاءة الطاقة، بقيادة المركز السعودي لكفاءة الطاقة حيث يهدف إلى تعزيز كفاءة الطاقة وتوحيد الجهود في جميع أنحاء المملكة. استهدف البرنامج ثلاث قطاعات رئيسية: الصناعة، والبناء، والنقل البري، وهي القطاعات المسؤولة عن أكثر من 90% من استهلاك الطاقة الأولية في المملكة. لقد جمع البرنامج بين الجهات الحكومية والمؤسسات وأصحاب المصلحة في القطاع الخاص في جهد تعاوني لمعالجة طلبات الطاقة المتزايدة من خلال تنفيذ 80 مبادرة.

كان تأثير البرنامج واضحاً بشكل خاص بين عامي 2011 و2019، عندما أدت سلسلة من التدخلات المستهدفة إلى تحويل مستويات الحفاظ على الطاقة في الصناعات التحويلية، بما في ذلك مصانع الحديد والأسمنت ومحطات الكلنكر والبتروكيماويات. وقد أسفرت هذه الجهود عن نتائج قابلة للقياس، حيث خفضت كثافة الطاقة في هذه الصناعات بنسبة 2%، و2.8%، و4.2%، و2.9%، على التوالي. وفي عام 2020، أطلقت المملكة المرحلة الثانية من إطار كفاءة الطاقة الصناعية التي تنتهي في عام 2025 وتستهدف مصانع وقطاعات فرعية أخرى تشمل البتروكيماويات والأسمنت والصلب والألمنيوم.

أرسى البرنامج السعودي لكفاءة الطاقة الأساس لمشهد طاقة أكثر كفاءة، كما أظهر التزام المملكة العربية السعودية بالموازنة بين النمو الاقتصادي والممارسات المستدامة. يعكس النهج الشمولي تجاه كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة جهداً عملياً لمعالجة تحديات الطاقة المحلية ورسم المسار لمستقبل أكثر استدامة. وبينما تكافح المنطقة لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة، يمكن لمبادرات المملكة أن تقدم رؤى قيمة لتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي، وخفض الطلب المحلي على الطاقة، وتحقيق قفزات نوعية في مجال الطاقة المتجددة.

 

المقالة منشورة في "نشرة الاقتصاد" الصادرة عن جمعية الاقتصاد السعودية، عدد يونيو 2026.