تمثل الرياضة اليوم أحد القطاعات الحيوية في الاقتصاد العالمي، بعدما تحولت تدريجيًا من نشاط اجتماعي وثقافي إلى صناعة متعددة الأبعاد تتقاطع مع الاستثمار والإعلام والسياحة والتقنية وسوق العمل. وقد أسهمت العولمة، وتضخم أسواق حقوق البث والرعاية، وتحول الأندية والبطولات إلى علامات تجارية دولية، في ترسيخ ما يُعرف بالاقتصاد الرياضي بوصفه رافدًا حقيقيًا للناتج المحلي، وأداة للتنويع الاقتصادي، ومجالًا لتعظيم الأثر الاجتماعي عبر الصحة وجودة الحياة. ولم تعد الرياضة تُقاس اليوم فقط بعدد البطولات أو الجماهير، بل بحجم القيمة المضافة التي تولدها داخل الاقتصادات الوطنية.
وفي هذا السياق، أظهرت تقديرات اقتصادية حديثة أن حجم الاقتصاد الرياضي العالمي يُقدَّر بنحو 2.3 تريليون دولار أمريكي سنويًا، وهو ما يعادل حوالي 2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مع توقعات بالارتفاع إلى نحو 3.7 تريليون دولار بحلول عام 2030، ثم إلى قرابة 8.8 تريليون دولار بحلول عام 2050 (منتدى الاقتصاد العالمي، 2024). وتعكس هذه الأرقام الحجم المتسارع لهذا القطاع، وقدرته المتنامية على توليد القيمة الاقتصادية وفرص العمل والاستثمار عبر سلاسل قيمة ممتدة تشمل البنية التحتية، والإعلام، والتقنية، والتسويق، والخدمات.
وفيما يتعلق بتأثير البطولات الكبرى، أظهرت التحليلات الاجتماعية–الاقتصادية لكأس العالم 2026، التي ستُقام في الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا، أن البطولة قد تُسهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 40.9 مليار دولار أمريكي، مع دعم توفير ما يقارب 824,000 وظيفة مكافئة بدوام كامل في القطاعات المرتبطة بالسياحة والضيافة والخدمات. وتشير التقديرات أيضًا إلى أن هذه النسخة من البطولة قد تجذب نحو 6.5 مليون متفرج إلى ملاعب الدول المضيفة، مما يعزز الإنفاق السياحي وإيرادات الإقامة والنقل والخدمات المرتبطة بالحدث (FIFA & WTO 2025).
ويعكس هذا الزخم الجماهيري والإعلامي اتساع القاعدة الاقتصادية للرياضة، إذ أعلنت تقارير صحفية نقلًا عن الاتحاد الدولي لكرة القدم أن عدد طلبات التذاكر لكأس العالم 2026 تجاوز 500 مليون طلب من مختلف أنحاء العالم، وهو رقم قياسي في تاريخ البطولة (Reuters 2026؛ Associated Press2026)، وتُظهر هذه المؤشرات كيف أصبحت البطولات الرياضية الكبرى أدوات تنشيط اقتصادي عابر للحدود، تتجاوز أثرها المباشر إلى تحفيز الاستثمار، وتسريع تطوير البنية التحتية، وتعزيز الطلب الاستهلاكي في الاقتصادات المستضيفة، إضافة إلى تنشيط العلامات التجارية والسياحة الرياضية طويلة الأجل.
وفي هذا السياق العالمي المتسارع لنمو الاقتصاد الرياضي، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها إحدى أكثر الدول استثمارًا في هذا القطاع خلال العقد الحالي، حيث تمثل الرياضة أحد الأركان الأساسية في جهود تنويع الاقتصاد ضمن مستهدفات رؤية 2030. وتشير دراسات حديثة إلى أن قيمة سوق الرياضة السعودي بلغت تقديراتها السابقة نحو 8 مليارات دولار أمريكي، مع توقعات مستقبلية بارتفاعها إلى نحو 22.4 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030، مدفوعة بزيادة الاستثمارات، واستضافة الفعاليات الكبرى، وتنمية البنية التحتية الرياضية (2024 Arab News / SURJ Sports Investments ).
وتُشير تقديرات أخرى إلى أن مساهمة القطاع الرياضي في الناتج المحلي غير النفطي للمملكة قد تصل إلى نحو 3% بحلول عام 2030، مع خلق أكثر من 100,000 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وارتفاع مستوى المشاركة الرياضية إلى نحو 50% من السكان أسبوعيًا، بما يعزز الطلب المحلي على الخدمات والمنتجات الرياضية ويحقق أثرًا اقتصاديًا واسعًا ومستدامًا (Saudi Sports Business & Tech Report 2025).
ولا يقتصر أثر هذا التحول على الجوانب الاقتصادية المباشرة فحسب، بل يمتد ليشمل بناء منظومة رياضية أكثر استدامة، قادرة على توليد القيمة عبر قطاعات مترابطة تشمل السياحة والضيافة والإعلام والتقنية والترفيه. كما يفتح هذا النمو المجال أمام تطوير صناعات جديدة مثل التكنولوجيا الرياضية، وتحليل البيانات، وإدارة المواهب، والتسويق الرياضي، والطب الرياضي، بما يعزز المحتوى المحلي ويرفع من تنافسية القطاع على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي هذا الإطار، فإن تعزيز تأثير الرياضة السعودية على الاقتصاد يتطلب تبني سياسات واستراتيجيات مترابطة تشمل تطوير أدوات قياس القيمة المضافة الاقتصادية والاجتماعية للقطاع، وتعظيم العائد من استضافة الفعاليات الرياضية عبر دمجها في خطط سياحية وتجارية طويلة الأجل، وتسريع برامج التخصيص والتحول إلى نماذج تشغيل مدفوعة بالقطاع الخاص، بما يرفع كفاءة التشغيل ويزيد جاذبية الاستثمار.
كما يستلزم الأمر توجيه الاستثمارات نحو مجالات واعدة مثل التكنولوجيا الرياضية، والبيانات الضخمة، وإدارة المواهب الرياضية، وحوكمة الأندية والاتحادات، إلى جانب توسيع قاعدة المشاركة الرياضية في المجتمع لتلبية الطلب المتزايد على الخدمات ذات الصلة، بما يسهم في خلق دورة اقتصادية مستدامة بين العرض والطلب داخل القطاع. ومن شأن هذا التوجه المتكامل أن يمكّن الرياضة في المملكة من التحول إلى رافعة اقتصادية متطورة، تُنتج قيمة قابلة للقياس، وتستقطب استثمارًا مستدامًا، وتدعم المحتوى المحلي، وتخدم مستهدفات رؤية السعودية 2030 عبر اقتصاد مزدهر، ومجتمع حيوي، ووطن طموح.
المقالة منشورة في "نشرة الاقتصاد" الصادرة عن جمعية الاقتصاد السعودية، عدد يونيو 2026.


