مع كل قفزة تقنية جديدة يعود السؤال ذاته بصيغة مختلفة: هل ستختفي بعض المهن التي اعتدنا وجودها لعقود؟ واليوم يتكرر هذا السؤال مع مهنة المراجع الخارجي بعد التطور السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على تحليل البيانات واكتشاف الأنماط غير الطبيعية خلال ثوانٍ معدودة.
للوهلة الأولى قد تبدو الإجابة بسيطة، فإذا كانت الخوارزميات قادرة على مراجعة ملايين العمليات المالية في وقت قصير، واكتشاف التناقضات والأخطاء المحتملة بكفاءة عالية، فلماذا نحتاج إلى المراجع الخارجي؟
لكن الحقيقة أن السؤال ربما صيغ بطريقة خاطئة منذ البداية، فالذكاء الاصطناعي لا يبدو أنه جاء لإلغاء وظيفة المراجع الخارجي بقدر ما جاء لإلغاء جزء كبير من العمل التقليدي الذي كان يقوم به، فالمراجع أمضى سنوات طويلة في اختبار العينات ومطابقة المستندات وتتبع العمليات المالية، بينما تستطيع الأنظمة الحديثة القيام بجزء كبير من هذه المهام بصورة أسرع وأكثر شمولًا.
الأهم من ذلك أن الذكاء الاصطناعي قد يمنح مكاتب المراجعة ميزة لم تكن متاحة بهذا المستوى من قبل، وهي تقليل أثر الأخطاء البشرية، فالمراجع مهما بلغت خبرته يظل إنسانًا معرضًا للإرهاق أو السهو أو إغفال بعض المؤشرات المهمة وسط آلاف العمليات المالية، أما الأنظمة الذكية فلا تتعب ولا تتأثر بضغط الوقت أو كثافة الملفات المطلوب فحصها.
كما أن الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي قد يعزز استقلالية عملية المراجعة نفسها، فكلما ارتفع الاعتماد على التحليل الآلي المبني على البيانات، انخفضت احتمالات تأثر بعض الأحكام المهنية بالعلاقات الشخصية أو الضغوط التي قد تمارسها بعض الإدارات التنفيذية أو مجالس الإدارات. فالخوارزمية لا تعرف رئيسًا تنفيذيًا ولا عضو مجلس إدارة، بل تتعامل مع البيانات كما هي.
وهذا لا يعني أن التقارير ستصبح مثالية، لكنه يعني أن مستوى الدقة قد يرتفع بشكل ملحوظ، فبدلًا من أن تعتمد المراجعة على اختبار جزء من العمليات، يمكن فحص جميع العمليات تقريبًا، الأمر الذي يزيد فرص اكتشاف الأخطاء والتجاوزات قبل صدور التقرير النهائي.
لذلك قد تجد مكاتب المراجعة نفسها مستقبلًا أمام فحصين بدلًا من فحص واحد، الأول هو فحص المراجع المهني القائم على الخبرة والحكم المهني وفهم طبيعة النشاط والمخاطر، أما الفحص الثاني فهو الفحص الذي تقوم به الخوارزميات من خلال تحليل البيانات واكتشاف العلاقات والمؤشرات التي قد لا تكون ظاهرة للعين البشرية.
وعندما يجتمع الفحصان في عملية واحدة، تصبح جودة المراجعة أعلى من أي وقت مضى، فالإنسان يقدم الفهم والسياق والحكم المهني، بينما تقدم الخوارزمية السرعة والشمولية والقدرة على معالجة كميات هائلة من البيانات، لهذا لا أعتقد أن الخوارزمية ستلغي وظيفة المراجع الخارجي، لكنها ستغيرها جذريًا، والمراجع الذي سيبقى مطلوبًا في المستقبل ليس من يجيد فحص المستندات فقط، بل من يجيد توظيف التقنية وفهم نتائجها وتفسيرها.
نقلا عن الرياض


التحول المعاصر في المعايير الدولية نحو الاعتماد على التقديرات والافتراضات المستقبلية للإدارة، قد نقل مركز الثقل في عملية التدقيق؛ فالخطر الجوهري لم يعد يكمن في الخطأ الحسابي أو التناقض المستندي الذي يمكن للخوارزميات كشفه بثوانٍ، بل في التحيز الإداري. وتفكيك هذا التحيز وفحص النوايا وربطها بسياق بيئة الأعمال وسيكولوجية الإدارة هو نشاط ذهني وقانوني يتطلب حكماً مهنياً بشرياً وشكاً مهنياً لا تمتلكه الخوارزميات التي تتعامل مع مدخلات كمية صماء. تكمن الخطورة في أن المراجع الخارجي البشري أصبح يعاني من تضارب مصالح بنيوي، وضغوط تجارية خشية فقدان العميل. من هنا، تبرز القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي والخوارزميات ليس كبديل للمراجع، بل كـ أداة رقابية مستقلة يتم توظيفها مباشرة من قِبل منظمي أسواق المال والمستثمرين. إن تمكين هذه الجهات من استخدام الأنظمة الذكية لفحص القوائم المالية بشكل مستقل، يتيح كشف التلاعب وتحييد أثر التحيز الإداري، وتجاوز معضلة ضعف أو تواطؤ المراجع البشري الواقع تحت ضغط المصالح التجارية.