في ظل التطور المتسارع الذي تشهده السوق المالية السعودية CMA، وتعاظم دورها في تطوير أدوات السوق المالية، بما في ذلك تداول الأوراق المالية وتعميق سوق الأسهم، برزت الحاجة إلى تأسيس هيئة السوق المالية في عام 2003، لتُعنى بموجب نظام السوق بالإشراف على تنظيم ومراقبة السوق، من خلال إصدار اللوائح والقواعد الهادفة إلى حماية المستثمرين وضمان العدالة والكفاءة والشفافية في التعاملات.
وعلى الرغم من الدور الرقابي، الذي تضطلع به السوق المالية على الشركات المدرجة، إلا أنه قد شهدت السوق خلال السنوات الماضية عدداً من القضايا البارزة التي عكست وجود ممارسات مخالفة لأحكام النظام، والتي لعل من أبرزها قضية شركة المعجل وقضية شركة اتحاد اتصالات (موبايلي)، اللتين تُعدان من أشهر قضايا التلاعب بالقوائم المالية في السوق. ففي قضية شركة المعجل، برزت مخالفات مالية وإدارية جسيمة أدت إلى خسائر كبيرة للمستثمرين، وانتهت لاحقًا بخروج الشركة من السوق، ما يعكس حجم الأثر السلبي لمثل هذه الممارسات.
أما في قضية موبايلي، فقد تم الإعلان عن وجود أخطاء جوهرية في القوائم المالية أدت إلى تضخيم الإيرادات، الأمر الذي تسبب في تضليل المستثمرين وأثر بشكل كبير على سعر السهم وثقة المتعاملين في السوق، وقد صدر حكم لصالح نحو 1000 متضرر كحق خاص، بإجمالي تعويضات بلغت حوالي 1.2 مليار ريال، إضافة إلى فرض عقوبات على عدد من المسؤولين.
وفي السياق ذاته، برزت مؤخرًا قضية سينومي ريتيل، حيث أعلنت هيئة السوق المالية إحالة 17 مشتبهاً بهم إلى النيابة العامة، من بينهم أعضاء مجالس إدارة ومسؤولون تنفيذيون، وذلك للاشتباه في تورطهم في ممارسات من شأنها تضليل المستثمرين والتأثير على القيمة الحقيقية للورقة المالية، إضافة إلى استغلال موارد الشركة لتحقيق مصالح شخصية. كما وجاءت قضية شركة الشرق الأوسط للرعاية الصحية (السعودي الألماني الصحية) الأخيرة، لتؤكد استمرار هذه التحديات، حيث صدر قرار قطعي بإدانة عدد من أعضاء مجلس الإدارة ولجنة المراجعة بعد ثبوت تلاعبهم بالقوائم المالية خلال الفترة من 2018 إلى 2021، من خلال تضخيم الإيرادات بمبلغ 358 مليون ريال وإثبات بيانات مالية غير دقيقة، مما أدى إلى فرض غرامات مالية وعقوبات نظامية بحقهم. وتُبرز هذه القضايا، إلى جانب القضايا الأحدث، حجم المخاطر المرتبطة بالتلاعب في القوائم المالية، وأهمية الالتزام بالشفافية والإفصاح الدقيق لحماية المستثمرين وتعزيز استقرار السوق. كما أنها تُظهر، رغم اختلاف توقيتها وظروفها، نمطًا متكررًا من المخالفات المرتبطة بالتضليل المالي والتلاعب، وهو ما يعزز أهمية وضرورة تشديد الدور الرقابي الذي تضطلع به هيئة السوق المالية في حماية السوق وضمان عدالته وشفافيته.
وعند النظر إلى حجم الغرامات المالية، بما في ذلك العقوبات التي فُرضت في قضية شركة الشرق الأوسط للرعاية الصحية، والتي بلغت نحو 18 مليون ريال، إضافة إلى منع عدد من المدانين من العمل في الجهات الخاضعة لإشراف هيئة السوق المالية لمدة تراوحت بين ستة أشهر وسنة، قد يراها البعض غير متناسبة مع حجم تضليل المستثمرين والتحايل في البيانات المالية، وبالذات أن المخالفين قد حققوا أضعافًا مضاعفة قبل انكشاف أمرهم من العوائد والاستثمارات والمصالح الشخصية، مقارنةً بحجم الخسائر التي تكبدها المستثمرون نتيجة هذه الممارسات، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى كفاية هذه العقوبات في تحقيق الردع المطلوب. في حين يرى آخرون أن عقوبة السمعة، ولا سيما الأثر الأدبي والمعنوي الناتج عن الإدانة والتشهير، قد تكون بحد ذاتها رادعًا قويًا، بل وأشد تأثيرًا من العقوبات المالية، لما تسببه من فقدان الثقة المهنية والاجتماعية، وهو ما قد ينعكس سلبًا على مستقبل المخالفين وأعمالهم.
وفي ختام هذا المقال، تبرز الحاجة الملحّة إلى تشديد الرقابة على الشركات المدرجة من قبل هيئة السوق المالية، وذلك من خلال تكثيف الزيارات الميدانية وأعمال الفحص والتدقيق على دفاتر الشركات وبياناتها المالية للتأكد من صحتها، بما يسهم في توفير حماية وقائية تسبق وقوع المخالفات، بدل الاكتفاء بمعالجتها بعد حدوثها، وبالذات في ضوء ما أظهرته قضية شركة الشرق الأوسط للرعاية الصحية التي استمرت فيها المخالفات لفترة زمنية طويلة امتدت من عام 2018 حتى 2021 قبل الإعلان عنها.
كما تزداد أهمية توظيف وسائل الكشف الحديثة، وعلى رأسها التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، بما يمكن أن يعمل كنظام إنذار مبكر Early Warning لرصد أي مؤشرات غير طبيعية في القوائم المالية أو التداولات، الأمر الذي يعزز من كفاءة الرقابة وسرعة التدخل.
وفي المقابل، فإن تحقيق الردع الفعّال يتطلب تغليظ العقوبات المفروضة على المخالفين، بحيث لا يقتصر الأمر على الغرامات المالية فحسب، بل يمتد ليشمل عقوبات أشد مثل السجن، ومصادرة الأموال المتحصلة من المخالفات، على نحو مماثل لما يتم التعامل به في قضايا غسل الأموال من تتبع ومصادرة للعوائد غير المشروعة، إضافة إلى المنع التام من مزاولة أي نشاط مرتبط بالسوق المالية مدى الحياة، وبالذات حين النظر إلى أن ما يرتكبه بعض أعضاء مجالس الإدارات أو التنفيذيين الذي لا يُعد مجرد مخالفة إجرائية، بل يمثل في جوهره نوعًا من الفساد المركب المالي والإداري، الذي يستوجب مواجهة حازمة لحماية السوق والمستثمرين وضمان استدامة الثقة فيه.
نقلا عن الرياض


