الشحن وسلاسل الإمداد في ظل الحروب

29/03/2026 0
ثامر السعيد

الحروب لا تصبح مكلفة فقط عندما تغلق حقلا نفطيا أو تدمر مصنعا، بل عندما تربك الطريق بينهما. هنا تظهر الفاتورة التي لا تظهر في صور الاعتداءات، لكنها تصل إلى الجميع: إلى المصنع الذي ينتظر مدخلاته، وإلى التاجر الذي يعيد تسعير مخزونه، وإلى المستهلك الذي يدفع في النهاية ثمن رحلة أطول ومخاطر أكبر. لهذا فإن انقطاع سلاسل الإمداد ليس أثراً جانبياً للحرب، بل أحد أكثر أوجهها الاقتصادية تأثيرا.

القطاع اللوجستي ليس خدمة هامشية في الاقتصاد العالمي لينظر إلى اضطرابه بوصفه تفصيلا تشغيليا. النقل البحري وحده يحمل أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية، ويشير البنك الدولي إلى أن التكاليف اللوجستية تتراوح بين 25% و8% بحسب الميزة التنافسية وفي المتوسط نحو 13% من الناتج المحلي الإجمالي. معنى ذلك أن أي صدمة تضرب هذا القطاع لا تصيب شركة شحن أو ميناء فقط، بل تضرب كفاءة الاقتصاد العالمي نفسها.

ما يجعل المسألة أشد خطورة أن تغير التكلفة اللوجستية لا يبقى داخل الميناء، بل يلمس جوانب الاقتصاد الأساسية بما في ذلك التضخم. يشير صندوق النقد الدولي أن تضاعف تكاليف الشحن يرفع التضخم بنحو 0.7 نقطة، ولا يعد أثرها لحظيا وإنما تظهر أثرها بين 12 و18 شهرا حتى تؤثر في معدلات التضخم لأن ارتفاع أجور النقل لا يأتي منفردا، بل تشمل دائرة واسعة من المتغيرات من الوقود وصولا إلى الأجور والتمويل وتكاليف رأس المال العامل. وهكذا تنتقل الحرب من الخريطة إلى تكلفة الإنتاج، ثم من تكلفة الإنتاج إلى سعر البيع.

لهذا لم يعد نموذج “التوريد في الوقت المناسب” يحظى باليقين نفسه لدى الشركات الكبرى، بعدما كشفت الأزمات أن الكفاءة منخفضة التكلفة قد تخفي وراءها هشاشة شديدة التكلفة عند أول اضطراب. فالمسار الأقصر لا يكون دائمًا الأرخص إذا ارتفعت عليه أقساط التأمين، وتضخمت رسوم التأخير، واختلّت موثوقية الوصول. وفي مثل هذه الظروف، تتحول المرونة اللوجستية من تفصيل تشغيلي إلى أصل اقتصادي إستراتيجي، لا تقل أهميته عن الطاقة أو التمويل. وهنا تحديدًا يبدأ التفوق التنافسي الحقيقي للدول والشركات.

ولهذا تكتسب بعض الخطوط اللوجستية حساسية استثنائية في أوقات النزاع. قناة السويس مثلا تبقى من أهم شرايين التجارة، إذ يمر عبرها 22% من التجارة البحرية عالمياً. ومضيق هرمز يظل العقدة الأهم للطاقة، إذ عبره في 2024 أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، ونحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال. ويأتي بعد ذلك مضيق ملقا، وقناة بنما، وباب المندب، بوصفها خطوطاً لا تختصر المسافات فقط، بل تحدد تكلفة البديل عندما يتعطل المسار الأصلي مثل ذلك الممرات اللوجستية الجافة لتلك الدول التي تمتاز بموقع جغرافي مميز.

ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو السعودية أكثر من مجرد دولة مجاورة لممرات حساسة؛ إنها مرشحة لأن تكون عقدة إعادة تشكيل سلاسل الإمداد نفسها. السعودية محور يربط آسيا وأوروبا وإفريقيا، وبرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية تركز على تعظيم الربط المحلي والإقليمي والدولي، وتحسين إجراءات الاستيراد والتصدير.

هنا لا تكون المنافسة على الموقع الجغرافي فقط، بل على سرعة الحركة وجودة الربط وقدرة الدولة على تحويل الجغرافيا إلى ميزة اقتصادية قابلة للتسعير، وما قدمته السعودية من دعم لوجستي لدول المنطقة بسبب الحرب والانقطاعات الحالية في سلاسل يبرز ديناميكية وسرعة في اتخاذ القرار على نحو يخدم المنطقة اليوم ويعزز التنافسية غدا.

 

نقلا عن الاقتصادية