يقول ابن خلدون الناس في السكينة سواسية، فإذا جاءت المحن تباينوا. وفي حرب أميركا وإسرائيل على إيران ظهر خلل كبير جداً تمثل في ظهور التشوهات بمفهوم الأمن القومي العربي من خلال مواقف دول وشعوب عربية لم تتخذ موقفا واضحا أو رافضا لما قامت به إيران من اعتداء غاشم على دول الخليج العربي معتقدةً أن ذلك يمثل ورقة ضغط على أميركا كي توقف الحرب ومتذرعة بحجج واهية لم تستطع أن تثبتها وكلها محض افتراء ودجل اعتدنا عليه من إيران التي لها سوابق تخريبية وتدميرية في العالم العربي. فدول الخليج العربي رفضت هذه الحرب ودعمت الحل الدبلوماسي للخلاف الأمريكي الإيراني وقامت دول خليجية مثل قطر وسلطنة عمان بدور وسيط لسنوات وحتى قبل هذه الحرب محاولةً منها نزع فتيل الأزمة ومع ذلك لم تسلم من اعتداءات إيران عليها.
فأهم ما ظهر بهذه الحرب يبقى الخلل الضخم بل التشوه الهائل في مفهوم الأمن القومي العربي لدى دول عربية من حكومات وشعوب فبعضهم ندد بالاعتداءت على دول الخليج والأردن بعد أيام من بدايتها ومنهم من لم ينطق بحرف واحد أما مواقف الشعوب فلم تختلف كثيراً بل زاد عليها أن بعضهم عبر عن سعادته بتلك الاعتداءت وكأن دول الخليج عدوة لهم لكن ذلك مرجعه أن هناك فهما قاصرا جداً تتحمله حكومات وقادم الرأي بتلك الدول ومعهم جامعة الدول العربية التي كان تعليق أمانتها دون المستوى وتحركاتها ومواقفها لا تعبر أبداً عن ما يجب أن يكون من إدراكها ودورها بمفهوم الأمن القومي العربي الشامل.
فدول الخليج العربي في معادلة الأمن القومي العربي تمثل هي القوة الكبرى فيه، فأكثر من 63 بالمائة من الناتج الإجمالي العربي يأتي من دول الخلبج التي يعمل بها أكثر من 12 مليون مواطن عربي بإقامة دائمة خففوا عبئاً كبيراً على دولهم في توفير فرص عمل لهم بل أصبحوا بتحويلاتهم التي تتعدى سنوياً 30 مليار دولار عاملا مساندا لتنشيط اقتصاد دولهم ويعيلون بالمتوسط أسر مكونة من 5 افراد أي أن أكثر من 60 مليون عربي يستفيد مباشرةً من دول الخليج ما يعادل 9 بالمائة من سكان العالم العربي بينما يستفيد من دورهم بتنمية بلدانهم عدد مماثل حيث يلعبون دوراً كبيراً بتنشيط قطاعات العقار والتجزئة والنقل والخدمات وهي توظف الملايين في الدول التي ينتمون لها أي أن ما لايقل عن 150 مليون مواطن عربي يمثلون 25 بالمائة من سكان العالم العربي يستفيدون من دول الخليج، تشمل العمالة والتجار وأسرهم التي يعيلونها.
أما على صعيد مساعدات دول الخليج العربي للدول العربية فقد قدمت صناديق التنمية الخليجية الحكومية مئات المليارات من الدولارات على مدى خمسة عقود مضت شملت مشاريع تنمية عديدة كالمدارس والجامعات والطرق والمستشفيات ومحطات الكهرباء والمياه وبنى تحتية ومرافق اقتصادية هامة وإعانات عاجلة غير مستردة وتمويل مشاريع صغيرة ودعم التنمية الزراعية ودعم عملاتها عبر ودائع ببنوكها المركزية هذا بخلاف الاستثمارات الضخمة من القطاعين العام والخاص بالدول العربية بأموال خليجية تقدر أيضاً بمئات المليارات أما التبادل التجاري فأكبر شريك تجاري لاغلب الدول العربية هي دول الخليج العربي مما يعني أن المتبقي من الناتج الإجمالي لعدد 16 دولة البالغ 37 بالمائة تلعب دول الخليج دوراً كبيراً بتحقيقه والتأثير الكبير فيه.
أدركت دول الخليج أهمية تعزيز أمنها وتعاونها فيما بينها منذ إنشاء مجلس التعاون الخليجي عام 1981 ونجحت باستثماراتها وتعزيزها لقدراتها الدفاعية بإضعاف خطر هجمات إيران التي أرسلت 85 بالمائة من صواريخها ومسيراتها اتجاه دول الخلبج والأردن وتم تدمير جلها بينما هوجمت إسرائيل التي أمطرت إيران بالقنابل وقتلت قياداتها بحوالي 15 بالمائة من الصواريخ والمسيرات الإيرانية، وهذا ما يظهر نوايا إيران الخبيثة اتجاه العرب، فغياب مفهوم الأمن القومي العربي اتجاه عدو يجاهر بعدائه منذ 47 عاماً لاستلامه السلطة بطهران يضع الدول والشعوب التي لم تعي خطورة الضرر الهائل الذي قد يلحق بهم من اعتداءات إيران على دول عربية تعد هي الداعم والمؤثر الأكبر باقتصاداتهم توظيفاً واستثماراً وتجارياً أمام حقيقة أن مفهوم القومي العربي لديهم مجرد شعارات لا ترقى لفهم المصالح وقياس العلاقة العميقة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ومصيرياً التي تربط دولهم بدول الخليج العربي.
نقلا عن الجزيرة
