يقف العالم اليوم على شفير أزمة جيو-اقتصادية قد تكون الأعنف منذ 1973 حين قررت الدول العربية المنتجة للنفط وقف إمدادات الطاقة عن الدول الداعمة لإسرائيل، ما أدى إلى قفزة حادة في أسعار الوقود وهزة عنيفة في الاقتصاد العالمي. بعد أكثر من خمسة عقود، يبدو أن مارس 2026 يعيد طرح السؤال ذاته: ماذا يحدث للاقتصاد العالمي إذا تعرضت إمدادات الطاقة لصدمة مفاجئة؟
تلوح في الأفق أزمة 2022، فمنذ أربع سنوات وبالتحديد في 24 فبراير 2022 اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية، وهو صراع لم يكن عسكرياً فحسب، بل تحول سريعاً إلى أزمة طاقة عالمية. كانت روسيا آنذاك المورد الرئيسي للغاز الطبيعي إلى أوروبا، كما تعد أحد أكبر المنتجين في سوق النفط العالمي. ومع اندلاع الحرب والرد الغربي بالعقوبات الاقتصادية على موسكو، تعرضت سلاسل إمداد الطاقة لاضطراب شديد.
نتيجة لذلك، قفزت أسعار النفط إلى مستويات قياسية، حيث تجاوز سعر البرميل حاجز 120 دولاراً في صيف 2022، وأنعكس ذلك على مستويات التضخم عالمياً، وموجات تشديد نقدي من كبار البنوك المركزية في العالم لاحتواء ارتفاع الأسعار، وما انعكس على الأسواق الناشئة.
لكن المفارقة أن الأزمة الحالية قد تكون أكثر تعقيداً من أزمة 2022. ففي حين كان الصراع آنذاك يتمحور حول دولة مصدرة واحدة للطاقة، فإن التوترات الحالية تدور حول ممر بحري تمر عبره نسبة ضخمة من تجارة الطاقة العالمية.
يمر عبر مضيق هرمز يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط، أي ما يقرب من 20% من الاستهلاك العالمي. كما يمر عبره نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم. وبعبارة أخرى، فإن أي اضطراب في هذا الممر لا يهدد دولة بعينها، بل يهدد شريان الطاقة العالمي بأكمله.
وتكمن خطورة هذا الوضع في أن أسواق الطاقة تختلف عن معظم أسواق السلع الاستراتيجية الأخرى. فالنفط والغاز ليسا مجرد سلعتين للتدفئة أو تشغيل السيارات، بل يدخلان في قلب سلسلة القيمة الاقتصادية. فكل سلعة تقريباً – من الغذاء إلى التكنولوجيا – تحتاج إلى الطاقة في مراحل الإنتاج والنقل والتصنيع. وحتى قطاع الخدمات، الذي يبدو بعيداً عن الصناعات الثقيلة، يعتمد بصورة غير مباشرة على الطاقة في تشغيل البنية التحتية الرقمية واللوجستية.
لهذا السبب، فإن أي صدمة في أسعار الطاقة تنتقل سريعاً إلى بقية قطاعات الاقتصاد، لتتحول من أزمة في سوق النفط إلى موجة تضخم عالمية تؤثر على مستويات المعيشة والاستقرار الاقتصادي.
والمفارقة أن هذا الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري يأتي رغم التحولات حيث تبنى الحكومات سياسات طموحة لتقليل الانبعاثات الكربونية والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة، سواء عبر الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو الهيدروجين الأخضر.
لكن رغم هذه الجهود، لا يزال الاقتصاد العالمي يعيش فوق "بئر نفط" إن جاز التعبير، حيث إن النفط والغاز والفحم يشكلون نحو 80% من إجمالي الطاقة المستهلكة في العالم. كما يساهم هذا الوقود في إنتاج ما يقرب من 60% من الكهرباء عالمياً، لذلك فإن أي اضطراب في أسواق النفط أو الغاز يظل قادراً على إحداث تأثيرات واسعة النطاق في الاقتصاد العالمي.
وإذا استمرت التوترات الحالية في الخليج العربي، فإن السيناريوهات المحتملة قد تتراوح بين ارتفاع مؤقت في الأسعار يمكن للأسواق امتصاصه، وبين صدمة طاقة عالمية جديدة تعيد إلى الأذهان أزمات السبعينيات أو تبعات اقتصادية ومالية بعد سنوات من امتصاص صدمة الحرب الروسية الأوكرانية.
الفرق الوحيد أن الاقتصاد العالمي اليوم أكثر ترابطاً مما كان عليه قبل خمسين عاماً. فالعولمة وسلاسل الإمداد العالمية جعلت أي صدمة في الطاقة تنتقل بسرعة أكبر إلى جميع الاقتصادات تقريباً، لكن يبقى العامل الحاسم في الموقف الجاري هو إلى أي مدى سيستمر الصراع الجاري.
حتى الأن تميل أغلب المؤسسات الدولية وبيوت الخبرة العالمية، للاعتقاد أن الحرب الجارية ستستمر لأسابيع معدودة تصل كحد أقصى إلى شهر ونصف تقريباً وذلك على غرار حرب الـ 12 يوماً التي اندلعت العام الماضي واستمرت لفترة محدودة، وكان تأثيرها محدود على قطاع الطاقة نظراً لأن طهران لم تلجأ وقتها لاستهداف الناقلات النفطية في المضيق.
لكن وفي ظل ضبابية الموقف، وبلوغ أعلى درجات عدم اليقين في منطقة الشرق الأوسط، يحذر البعض من أن الحرب ستطول، ما ينعكس على موجه تضخم عالمية جديدة، رجحت أليانز شركة التأمين المعروفة أن معدلات التضخم في الولايات المتحدة قد ترتفع إلى 3.8% مقارنة بـ 2.5% قبل الحرب ما سينعكس على سياسات البلاد النقدية وقد يلجأ الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة مرة أخرى لتصل إلى 4%، وذلك في السيناريو المتشائم حول استمرار الحرب لفترات أطول.
لهذا السبب، فإن السؤال المطروح اليوم ليس سؤالاً اقتصادياً تجيب عنه الأرقام والبيانات بقدر ما هو سؤال سياسي، فإلى أي مدى ستستمر الحرب؟ ومتى توقف طهران هجماتها ضد دول الخليج؟ وتوقف استهدافها للممرات الملاحية؟ وعلى الجانب الاقتصادي يطرأ تساؤل حول مدى إمكانيه أن يتحمل للاقتصاد العالمي صدمة طاقة جديدة بعد سنوات قليلة فقط من أزمة 2022.
خاص_الفابيتا


