لا تحتاج سوق النفط إلى انقطاع فعلي في الإمدادات حتى ترتفع الأسعار؛ فمجرد التوتر العسكري في الخليج كفيل بتحريك السوق. ومع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران عادت هذه الحساسية إلى الواجهة، إذ تمثل المنطقة أحد أهم مراكز إنتاج النفط في العالم، وفي الوقت ذاته تمثل العقدة الأساسية لنقل تجارة الطاقة العالمية.
خلال الأسبوع الماضي تحركت أسعار النفط مع تصاعد التوترات، إذ ارتفع خام برنت من بدايات السبعين دولاراً للبرميل ليختتم التداولات متجاوزاً مستوى 90 دولاراً. وبذلك تقترب الزيادة الفعلية منذ بداية المواجهة من 30% لكل من خام برنت وغرب تكساس. ويظهر هذا التفاعل السريع طبيعة سوق النفط التي تتعامل مع المخاطر الجيوسياسية بحساسية عالية.
ولم يقتصر أثر التوترات على سوق النفط لوحده. فقد ارتفعت أيضاً أسعار الغاز الطبيعي في الأسواق الأوروبية نتيجة المخاوف من اتساع نطاق التوتر وتأثيره المحتمل في تدفقات الطاقة العالمية. وزادت هذه المخاوف بعد إعلان قطر التوقف المؤقت لبعض شحنات الغاز الطبيعي المسال نتيجة الظروف القاهرة، وهو ما عزز المخاوف بشأن استقرار إمدادات الغاز في الأسواق الدولية.
تكمن حساسية السوق تحديداً في الموقع الجغرافي للصراع. فمضيق هرمز يعد أهم ممر لنقل النفط في العالم، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 20 إلى 21 مليون برميل نفط يومياً يمر من خلاله. وهذا يعادل نحو 20% من الاستهلاك النفطي العالمي. كما تعبر عبر المضيق أيضاً كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً من قطر، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة فيه قضية تمس أمن الطاقة العالمي بشكل مباشر.
ورغم أن الإنتاج العالمي يدور حالياً حول 102 مليون برميل يومياً، فإن السوق النفطية لا تنتظر حدوث انقطاع فعلي في الإنتاج حتى تتحرك الأسعار. فالأسواق تقوم عادة بتسعير احتمالات المخاطر مسبقاً، وهو ما يضيف علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى الأسعار. وتزداد حساسية السوق في مثل هذه الظروف لأن الطاقة الاحتياطية القادرة على تعويض أي انقطاع كبير تبقى محدودة نسبياً.
إلى جانب أخطار الإمدادات ظهر عامل آخر وهو تكلفة نقل النفط بحراً. فمع ارتفاع المخاطر في الخليج ارتفعت أقساط التأمين على الناقلات النفطية، كما ارتفعت أجور الشحن البحري بشكل ملحوظ. وتشير بيانات السوق إلى أن تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة لنقل النفط من الخليج إلى آسيا ارتفعت من نحو 60 ألف دولار يومياً إلى نحو 90 ألف دولار يومياً خلال أسبوع واحد، أي بزيادة تقارب 50%. هذه الزيادة تعني عملياً إضافة تكلفة جديدة على البرميل المنقول إلى الأسواق العالمية، هذا في حال وجد من يقبل الإبحار في ظل هذه الظروف.
وسط هذه التوترات تبقى موثوقية الإمدادات النفطية عاملاً أساسياً في استقرار السوق. وهنا يبرز النفط السعودي كأحد أكثر مصادر الطاقة استقراراً في العالم بفضل طاقته الإنتاجية الكبيرة وبنيته التحتية المتطورة وقدرته اللوجستية على الوصول إلى الأسواق العالمية بكفاءة عالية. فالانتقال السلس للتصدير من شرقي السعودية إلى غربها عبر شبكة الأنابيب بطاقة تصل إلى 7 ملايين برميل يومياً يبرز مرونة البنية التحتية السعودية وقدرتها على ضمان استمرار تدفق الطاقة للأسواق العالمية حتى في أوقات الاضطرابات الجيوسياسية.
نقلا عن الاقتصادية


