دور تطوير حقل «غزة مارين» في إعادة إعمار قطاع غزة

17/02/2026 0
وليد خدوري

في أواخر شهر يناير (كانون الثاني) 2026، أُعلنَ عن بدء المرحلة الثانية من خطة «تحقيق الاستقرار وإعادة إعمار قطاع غزة». هذا الإعلان المهم يثير تساؤلات كثيرة ما زالت مطروحة بشأن كيفية العمل في المشروع. لكن من الواضح أنّ هذا الإعلان يعدّ إشارة انطلاق المرحلة الثانية لإعادة إعمار القطاع.

نشرت صحيفة «معاريف» في 11 فبراير (شباط) الحالي مقالاً عن ميزانية الإعمار الضخمة المطلوب تأمينها لتنفيذ المشروع، وقد أعادت نشره باللغة العربية الدوريةُ اليومية «مختارات من الصحف العبرية»، الصادرة عن «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» في بيروت، مشيرة إلى ما ذُكر في المقال بأنه «يجدر التذكير بوجود حقل غاز فلسطيني قبالة سواحل غزة.. وقد جرت في السابق عدة محاولات لتطويره، لكنها لم تنجح، وربما يمكن الآن دمجه في عملية إعادة إعمار القطاع».

لكن الذي لم يذكره مقال «معاريف» أن حقل «غزة مارين» ليس فقط الحقل الغازي الوحيد المتوفر في بحر غزة، بل هو أيضاً من أصغر الحقول في جنوب شرقي البحر المتوسط؛ لذا فمن الغريب أن يطالَب باستعمال إمدادات هذا الحقل الأصغر لتوفير الطاقة لتشييد «ريفييرا» جديدة.

هذا يطرح أسئلة عدة: هل احتياطي حقل من نحو 1.4 تريليون قدم مكعبة من الغاز كافٍ لتزويد الـ«ريفييرا» بالطاقة؛ بناطحات السحاب فيها وبالمؤسسات ذات الاستهلاك الضخم للطاقة؟ لماذا لا تمدها إسرائيل بالاحتياطي الغازي ذاته الذي يقدر بأكثر من تريليون متر مكعب، وفق تقديرات عام 2024؟

لقد استنزفت إسرائيل سابقاً حقل «ماري - ب» المحاذي للسواحل الفلسطينية؛ نتيجة تزويد السوق الداخلية الإسرائيلية بنحو 60 في المائة من حاجتها للطاقة الغازية منه، قبيل اكتشافاتها الضخمة لاحقاً؛ الأمر الذي جعل احتياطات حقل «ماري - ب» قابلة للنضوب، وفق «إدارة معلومات الطاقة الأميركية».

والسؤال الأهم: كيف ستستطيع السلطة الفلسطينية مستقبلاً توفير الطاقة لدولتها المنشودة (قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية) بعد استنزاف حقلها الطاقوي الوحيد الذي تسيطر عليه؟

تملك السلطة الفلسطينية حقل «غزة مارين»، وفق اتفاقية أوسلو؛ إذ إن «السلطة» هي المسؤولة عن الاستكشاف والإنتاج النفطي في بحر غزة، بينما إسرائيل مسؤولة عن الناحيتين الأمنية والعسكرية في البحر. وبالفعل، عملت «السلطة» منذ البداية على تحمل مسؤوليات النفط في بحر غزة، واختارت للعمل عليه بدايةً شركة «بريتش غاز»؛ التي أسست بدورها «كونسورتيوم» مع شركة «سي سي للنفط والغاز» المملوكة فلسطينياً والمسجلة في اليونان وذات الخبرة في المشروعات النفطية العربية (أقطار دول الخليج العربي والعراق)، بالإضافة إلى عملها في مجال الاكتشاف والإنتاج في سلطنة عمان واليمن.

اكتشف «الكونسورتيوم» حقل «غزة مارين» عام 1999، لكن الحكومات الإسرائيلية حاولت مراراً تعطيل وتأخير التطوير بإضافة شروط لم يُتفق عليها مسبقاً، مثل تزويد السوق الإسرائيلية والشركات الإسرائيلية بأسعار مخفضة، ومحاولة فرض تأسيس صندوق يودَع فيه الريع المالي لبيع الغاز لا يمكن السحب منه دون الموافقة الإسرائيلية؛ الأمر الذي رفضته السلطة الفلسطينية.

فعلى الرغم من اكتشاف الغاز في بحر غزة قبل نحو ربع قرن، فإن الحقل لم يطوَّر حتى الآن. وقد اختارت «سلطة المصادر الطبيعية»، التابعة للسلطة الفلسطينية، لتطويره شركةَ «بريتش غاز»، التي اضطرت إلى الانسحاب لاحقاً من المشروع، في رد فعل على العقبات التعجيزية التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية مرة تلو الأخرى دون مبرر فعلي أو قانوني. ثم اختارت «سلطة المصادر الطبيعية» بعدها شركة «شلّ» لتطوير الحقل، وقد انسحبت؛ هي أيضاً، من المشروع للأسباب التعجيزية الإسرائيلية ذاتها.

على أثر ذلك، فوّضت «السلطة» كلاً من «الشركة المصرية العامة للحفر البحري البترولي» وشركة «سي سي للنفط والغاز» للتطوير في أوائل عام 2013، لكن العمل تأخر بسبب حرب غزة حينها.

يقع حقل «غزة مارين» على بعد 36 كيلومتراً من ساحل غزة وعلى عمق 28 متراً تحت سطح البحر. والحقل مقسوم إلى قسمين؛ أولهما في منتصف بحر غزة، والثاني «حدودي» يميل باتجاه حدود المياه الإسرائيلية الجنوبية الشرقية. وتقول المعلومات المتوافرة إن احتياطي الحقل بقسميه يقدر بنحو 1.4 تريليون قدم مكعبة، وهذا ليس فقط ضئيلاً نسبياً؛ بل كذلك يشكل المصدر الطاقوي الوحيد الذي تملكه «السلطة»؛ مما يستوجب مشاورات عدة لاتخاذ القرارات المناسبة عند المضي في تطوير الحقل.

السؤال هنا: هل تطوير الحقل قبالة شواطئ غزة يمكن أن يسهم في إعادة إعمار القطاع؛ خصوصاً مع احتياطاته الغازية المنخفضة، ومع تلك الغازية الضخمة نسبياً لدى إسرائيل، واستهلاك الطاقة العالي المتوقع في الأراضي الفلسطينية مستقبلاً؟ وكيف ستستطيع هذه الأراضي أو الدولة المنشودة للفلسطينيين، التي وافقت عليها الغالبية الساحقة من أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، المضي قدماً دون مصدر طاقوي واحد يوفر لها متطلَّباً ضرورياً للعيش والاستمرارية.

 

نقلا عن الشرق الأوسط