تعود أوبك+ إلى واجهة المشهد النفطي مع تصاعد الترقب بشأن مصير التخفيضات الطوعية التي تقارب 2.2 مليون برميل يوميًا. ومع اقتراب الربع الثاني، لا يتركز السؤال حول توقيت إعادة الإمدادات فحسب، بل حول قدرة التحالف على إدارة التوازن الدقيق بين استقرار الأسعار وحماية الحصة السوقية.
منذ صدمة 2020، انتقلت أوبك+ من نهج الدفاع عن سعر مستهدف إلى إستراتيجية “الإدارة النشطة للمعروض”. لم يعد الهدف تثبيت رقم معين، بل امتصاص التقلبات الحادة والحفاظ على نطاق سعري يحقق عوائد مالية مستقرة للدول المنتجة، دون دفع السوق إلى فائض يضغط الأسعار أو شح يضر بالطلب. هذه المرونة أصبحت جوهر السياسة النفطية للتحالف.
اليوم، تبدو المؤشرات متفاوتة. الطلب الآسيوي يُظهر تحسنًا موسميًا، لكن الاقتصاد الصيني لا يزال دون زخمه السابق، بينما تظل أوروبا عرضة لتباطؤ صناعي. في المقابل، تبقى المخزونات التجارية ضمن نطاق يمكن إدارته، ما يمنح أوبك+ مساحة مناورة. إعادة جزء من الإمدادات تدريجيًا قد تُقرأ كرسالة ثقة بتماسك الطلب، لكن أي تسارع غير موزون قد يعيد الضغوط السعرية، خصوصًا إذا تزامن مع تباطؤ اقتصادي عالمي كما تشير التقديرات الاقتصادية اليوم أو تعافٍ أسرع من المتوقع في بعض الإمدادات المنافسة.
العامل الأمريكي يظل حاضرًا. إنتاج النفط الصخري يستجيب بسرعة للأسعار المرتفعة، خاصة فوق نطاق 75–80 دولارًا للبرميل، ما يعني أن رفع الأسعار بشكل مفرط قد يُحفّز توسعًا إنتاجيًا يعيد رسم خريطة الحصص السوقية. هنا تكمن المعادلة: سعر يضمن إيرادات مستقرة للدول المنتجة، لكنه لا يغري المنافسين بتوسعات سريعة.
البعد المالي لا يقل أهمية. كثير من الدول المنتجة تبني موازناتها على افتراضات سعرية محددة، وأي انحراف هبوطي حاد يضغط على الإنفاق والاستثمار. في الوقت ذاته، تشير تقديرات اقتصادية إلى أن كل ارتفاع بمقدار 10 دولارات في متوسط سعر النفط قد يخفض النمو العالمي بنحو 0.2% نتيجة تأثيره على تكاليف الإنتاج والنقل والتضخم. أي أن السعر المرتفع يعزز الإيرادات على المدى القصير، لكنه قد ينعكس سلبًا عبر قنوات الاقتصاد الكلي.
في هذا السياق، لا يتعلق القرار المقبل بحجم الإنتاج فحسب، بل بإدارة التوقعات. فالسوق تتفاعل مع الإشارات بقدر تفاعلها مع الأرقام. إعلان مدروس عن إعادة تدريجية للإمدادات قد يرسخ الاستقرار ويحد من المضاربات. أما الرسائل المتضاربة أو الزيادات السريعة فقد تفتح الباب أمام تقلبات أوسع تقودها مراكز التداول بدل أساسيات السوق.
في المحصلة، اختبار أوبك+ الحقيقي ليس في قدرتها على زيادة أو خفض الإنتاج، بل في قدرتها على الحفاظ على توازن دقيق تجعل السوق منضبطة دون أن تفقد المنظمة زمام المبادرة. فإدارة السوق اليوم باتت فن إدارة التوقعات قبل إدارة الإنتاج.
نقلا عن الاقتصادية


