«إن التغيير الهائل الذي نمر به اليوم يمثل فرصة، بل ضرورة، لبناء شكل جديد من الاستقلال الأوروبي»، هذا ما ذكرته رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في دافوس الشهر الماضي، وهو توجه أوروبي علني بعد سنوات من التصريح الخجول، وتُرجم هذا التوجه من خلال طرح الاتحاد الأوروبي مؤخراً «سياسة التفضيل الأوروبي في المشتريات» (Buy European)، عبر قانون التسريع الصناعي، وجوهر هذه السياسة يقوم على توجيه القوة الشرائية الحكومية الأوروبية نحو دعم المنتجات والخدمات ذات المحتوى الأوروبي، فما هي حيثيات هذه السياسة؟
سياق هذه السياسة يبدأ من الصدمات المتوالية لأوروبا التي بدأت بالجائحة، وتلتها أزمة الطاقة بعد الحرب في أوكرانيا، ومن ثم تصاعد المنافسة الصناعية الصينية والسياسات الأميركية في تحفيز الصناعات الأميركية ورفع الرسوم على غيرها من الصناعات، والأفق العالمي يدل على أن هذه الصدمات لم تنتهِ بعدُ، ولا يزال هناك المزيد منها، وفي ظل ذلك كله، تبلورت تدريجياً فكرة ربط الإنفاق العام الأوروبي بالقدرة الصناعية المحلية، هذا الإنفاق الذي يزيد على نحو تريليوني يورو سنوياً، ويموّل الكثير منها منتجات مثل السيارات الكهربائية ومعدات الطاقة المتجددة التي تذهب إلى خارج أوروبا.
وجوهر السياسة يقوم على توجيه القوة الشرائية الحكومية الأوروبية نحو دعم المنتجات والخدمات ذات المحتوى الأوروبي، وتدور النقاشات حول اشتراط نسب محددة من القيمة المضافة داخل الاتحاد، طُرح في بعض القطاعات أن تصل إلى 70 في المائة، خصوصاً في مجالات مثل السيارات الكهربائية والبطاريات، والهدف المعلن ليس إغلاق السوق الأوروبية، بل ضمان أن التحول الأخضر والرقمي الذي تموله أوروبا يبني قاعدة إنتاجية أوروبية، لا أن يذهب الجزء الأكبر من الطلب إلى مصانع خارج القارة.
المؤيدون للسياسة، وفي مقدمتهم فرنسا، يرون فيها تصحيحاً لمسار اقتصادي أصبح، في رأيهم، غير متكافئ، ويستند خطابهم إلى فكرة «السيادة الاستراتيجية»، أي قدرة أوروبا على التحكم في سلاسل القيمة الحيوية، وقد أشار مسؤولون أوروبيون إلى أن «المشتريات العامة ليست مجرد أداة إنفاق، بل أداة استراتيجية لبناء القدرة الصناعية»، وتأتي هذه السياسة في ظل أرقام مقلقة للأوروبيين، فتكلفة تصنيع البطاريات في أوروبا أعلى من مثيلتها بالصين بنحو 60 في المائة، وذلك نتيجة أسعار الطاقة المرتفعة والالتزامات البيئية والاجتماعية الصارمة، وهو ما دعا المستشار الألماني، فريدريك ميرز، إلى التصريح قبل أيام قليلة بأن أوروبا بحاجة إلى تخفيف الأنظمة على صناعاتها لتبقى في المنافسة مع الصين وأميركا، والمتابع لألمانيا يدرك أن مسؤولاً ألمانياً لم يكن ليصرح بهذا الأمر لولا سوء الحال الأوروبي، ولم يكن أحد ليتخيل أن ألمانيا التي ترى نفسها قائدة التحوّل الأخضر في العالم يمكن أن تصرّح بذلك.
إلا أن هذا الطرح يواجه معارضة داخل الاتحاد نفسه، فدول شمال أوروبا وبعض الدوائر الصناعية في ألمانيا عبّرت عن قلقها من أن فرض نسب محتوى أوروبي قد يؤدي إلى رفع التكاليف وتعقيد سلاسل الإمداد المتكاملة عالمياً، ويخشى المعارضون أن يؤدي التوجه الجديد إلى إضعاف السوق الموحدة، التي تُعدّ أحد أعمدة المشروع الأوروبي، أو إلى ردود فعل تجارية من شركاء رئيسيين، وفي رأيهم، أن قوة أوروبا تكمن في انفتاحها وتكاملها، وأي انزلاق نحو التفضيل المحلي الواسع قد يحمل كلفة اقتصادية وسياسية.
والجدل لا يتعلق بالمبدأ فحسب، بل بالتفاصيل الدقيقة مثل: ما هو تعريف «منتج»؟ وما هو تعريف «أوروبي»؟ هل يشمل شركاء المنطقة الاقتصادية الأوروبية؟ وما القطاعات التي تستحق تصنيفها «استراتيجية»؟ كما يثار تساؤل حول مدى توافق السياسة مع التزامات الاتحاد في منظمة التجارة العالمية، هذه الخلافات تعكس انقساماً أعمق بين رؤية ترى في تدخل الدولة ضرورة لحماية الصناعة، ورؤية أخرى تخشى من تشويه المنافسة وإضعاف الكفاءة، وظهرت بعض الأخبار التي تشير إلى بعض دول أوروبا تتساهل في تعريف ماهيّة المنتج المحلي، وهو مؤشر لخلافات مستقبلية.
إن تفضيل المنتج المحلي في المشتريات الحكومية ليس سياسة جديدة، بل هو سياسة ناجحة مطبقة في العديد من دول العالم، ولكن أوروبا ليست محلاً واحداً، فالاتحاد الأوروبي مكون من 27 دولة، لكل دولة مصالحها المختلفة، بل حتى القطاع العام والخاص في الدولة نفسها لديهما مصالح متضاربة في هذا الشأن، أما صناع السياسات الأوروبيين فيرون فيه المصلحة الكبرى لأوروبا، وأن القارة العجوز لا يمكن أن تبقى السوق الأكثر انفتاحاً في عالم أصبح أقل انفتاحاً، كما لا يمكن لأوروبا أن تنافس الصين وأميركا دون تدخل في السياسة الصناعية، والمفارقة أن الأوروبيين، الذين طالما حاربوا الحمائية الاقتصادية، لا يرون في هذا النظام حمائية اقتصادية، بل يرونها حماية لاقتصادهم، حسب تصريح الرئيس (ماكرون) نفسه، ما الفرق بينهما؟ يبدو أن إحداهما فعل والأخرى ردة فعل.
نقلا عن الشرق الأوسط


