يأتي تصنيف وكالة "فيتش" الائتماني للمملكة العربية السعودية عند "+A" مع نظرة مستقبلية مستقرة، وفقاً لتقريرها الصادر مؤخراً، دلالةً واضحةً وتأكيداً على قوة الاقتصاد الوطني ومتانة المركز المالي للمملكة، وما تتمتع به من أسس مالية داعمة وقدرة على مواصلة النمو وتحقيق الاستقرار الاقتصادي على المديين المتوسط والطويل.
استندت الوكالة في تقييمها إلى عددٍ من العوامل، من أبرزها أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي وصافي الأصول الأجنبية السيادية جاءت أقوى بشكل ملحوظ من متوسطات التصنيفات “A” و“AA”، إضافةً إلى امتلاك المملكة احتياطات مالية كبيرة على شكل ودائع وغيرها من أصول القطاع العام.
وأشادت الوكالة بزخم الإصلاحات التي تشهدها المملكة، والتي شملت تحديث نظام الاستثمار، ومواصلة فتح سوقي العقار والأسهم أمام المستثمرين الأجانب، بما يعزز جاذبية البيئة الاستثمارية ويرفع من مستويات الثقة في الاقتصاد السعودي على المدى المتوسط والطويل.
ونتيجةً للقوة الاقتصادية التي تتمتع بها المملكة، توقعت الوكالة تحسناً إيجابياً في نمو الناتج المحلي الإجمالي، حيث تمت مراجعة تقديرات النمو للعام 2025 ورفعها من 4.3 % إلى 4.6 %، وللعام 2026 من 4.7 % إلى 4.8 %، فيما توقعت أن يتقلص العجز إلى 3.6 % من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية عام 2027، مع استمرار استفادة الإيرادات غير النفطية من النشاط الاقتصادي المزدهر وتحسن كفاءة الإيرادات.
التصنيف الائتماني للمملكة من وكالة "فيتش"، يتناغم مع تقييمات وكالات التقييم الائتماني الأخرى، مثل وكالة ستاندرد آند بورز، التي رفعت تصنيف المملكة من “A” إلى “A+” مع نظرة مستقبلية مستقرة في مارس 2025، وتحديث وكالة موديز لتقرير تصنيفها الائتماني للمملكة عند “Aa3” مع نظرة مستقبلية مستقرة في ديسمبر 2025.
ووفقاً لتوقعات البنك الدولي، يُتوقع أن يواصل النمو الاقتصادي في المملكة العربية السعودية تعافيه بعد تراجعه إلى 1.3 % في عام 2023، ليرتفع إلى 2.8 % في عام 2025، وإلى متوسط قدره 4.6 % خلال الفترة 2026–2027. كما يُرجّح أن يسهم التدرّج في إنهاء التخفيضات الطوعية للإنتاج ضمن تحالف “أوبك+” في رفع نمو الناتج المحلي الإجمالي لقطاع الهيدروكربونات إلى 6.7 % في عام 2026 و6.1 % في عام 2027. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يواصل الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي ارتفاعه بشكل مطّرد، بمتوسط 3.6 % بين عامي 2025 و2027، بالتزامن مع مواصلة المملكة تنفيذ أجندة التنويع الاقتصادي ضمن رؤية السعودية 2030.
وفي تقرير محدث لصندوق النقد الدولي بعنوان" آفاق الاقتصاد العالمي" – الصادر في يناير 2026، رفع الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي لعام 2026 إلى 4.5 % مقارنةً بـ 4 % في تقديرات أكتوبر الماضي، كما رفع توقعاته لنمو 2025 إلى 4.3 % بدلًا من 4 %، وتوقع نمو 2027 عند 3.6 % بدلًا من 3.2 %. وتشير هذه التقديرات إلى أن النمو المتوقع للسعودية أعلى من متوسط النمو العالمي، والذي رُفع مجددًا للعام 2026 إلى 3.3 %، بزيادة قدرها 0.2 نقطة مئوية عن تقدير الصندوق السابق في أكتوبر الماضي.
وتأتي هذه النظرة الإيجابية المتنامية للاقتصاد السعودي متسقةً مع إشادة المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا (Kristalina Georgieva) بأداء المملكة، وذلك خلال جلسة حوارية ضمن أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، المنعقد خلال الفترة من 19 إلى 23 يناير 2026، حيث أرجعت هذا الأداء إلى ثلاثة أسباب رئيسة تمثلت في قوة الإصلاحات الاقتصادية واستمرار تنفيذها، والتقدم في تنويع الاقتصاد وتوسّع فرص النمو في قطاعات جديدة تشمل السياحة والرياضة والخدمات والصناعات الإبداعية، إضافة إلى تعزيز دور القطاع الخاص ورفع قدرته على التفاعل السريع مع الإصلاحات والاستفادة منها بما يدعم الازدهار الاقتصادي. كما أشارت إلى أن هذه التحولات تعكس انفتاح المملكة ومشاركتها تجربتها مع العالم، مؤكدةً أهمية التعاون القائم، ومن ذلك افتتاح مكتب لصندوق النقد الدولي في الرياض.
ختامًا: يأتي تأكيد وكالات التصنيف الائتماني الدولية للتصنيفات المرتفعة للمملكة، إلى جانب إشادات المؤسسات الاقتصادية العالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وما عبّرت عنه المديرة العامة للصندوق من إعجاب بأداء الاقتصاد السعودي، ليعكس حجم التحول الاقتصادي الذي تشهده المملكة ونجاحها في بناء نموذج تنموي أكثر تنوعًا واستدامة.
كما يؤكد ذلك متانة المركز المالي وقوة السياسات الاقتصادية، وقدرة المملكة على مواصلة النمو وتحقيق التوازن المالي تدريجيًا، مدعومةً بارتفاع مساهمة الأنشطة غير النفطية وتعاظم دور القطاع الخاص، بما في ذلك التوسع في الاستثمارات وازدهار القطاعات والأنشطة الاقتصادية الجديدة، مثل قطاع السياحة والترفيه، وقطاعات الخدمات والنقل والاتصالات والتكنولوجيا المتقدمة، وغيرها من القطاعات الواعدة.
وتواصل المملكة، عبر رؤية السعودية 2030، تعزيز جاذبية بيئتها الاستثمارية ورفع تنافسية اقتصادها، بما يرسّخ مكانتها كشريك اقتصادي عالمي فاعل، ويعزز الثقة في آفاقها المستقبلية على المدى المتوسط والطويل. ولعل من اللافت أن ما حققته المملكة من إنجازات تنموية غير مسبوقة منذ انطلاقة رؤيتها في عام 2016 بات اليوم نموذجًا ملهمًا وتجربةً رائدة تسترشد بها العديد من دول العالم في مسارات التحول الاقتصادي نحو مزيدٍ من الاستقرار والنمو والازدهار.
نقلا عن جريدة الرياض


