مسار… منظومة حضرية متكاملة

20/01/2026 0
ياسر عبدالعزيز أبوعتيق

قبل أربعة أعوام كتبت عن صناعة الوجهات كمنهج للتطوير الحضري، ثم تناولت قبل عامين مفهوم «اللمسات الأخيرة» بوصفها النقطة التي تنتقل فيها الأولوية من الخرسانة إلى تجربة الإنسان. 
 
واليوم، أتناول مرحلة أكثر نضجًا في التفكير: رؤية المدن كمنظومات حضرية مُتّصلة تعمل، تتعلّم، وتولّد قيمة عبر الزمن. 

ولا يأتي هذا الطرح بوصفه رؤية نظرية، بل حقيقة تُوِّجت باعترافٍ عالمي،

 إذ نحتفل بحصول وجهة مسار على شهادة LEED الذهبية عن فئة Community، إحدى أرفع الشهادات الدولية في الاستدامة والبيئة المبنية، تأكيدًا على أن المدينة حين تُصمَّم كمنظومة تخدم الإنسان أولًا، تُدار بوعيٍ بيئي وتُشغَّل بكفاءة، فإنها تُنتج قيمة حقيقية ومستدامة عبر الزمن.

ونحن في شركة أم القرى لا نرى مسار بوصفه مشروعًا ننجزه، بل مسؤولية نحتضنها، مساهمة نعتز بها، وشرف خدمة في مدينةٍ لها مكانة لا تضاهيها مدينة.
 
وقد انعكس هذا النهج أيضًا في تحقيق وجهة مسار نتيجة مميّزة بلغت 85% في مؤشر الاستدامة العقارية العالمي (GRESB) في مشاركتها الأولى، ما يعكس التزامًا واضحًا بتطبيق أفضل الممارسات العالمية في الحوكمة، إدارة الموارد، وتعظيم الأثر الاجتماعي.
 
وتُمثّل هذه الإنجازات مجتمعة شهادة مستقلة على أن "مسار" ليس مجرّد مشروعٍ عمراني، بل نموذج حضري متكامل يُدار وفق معايير عالمية، ويُصمَّم ليكون مسؤولًا أمام الإنسان، البيئة، والأجيال القادمة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة في بناء مدن أكثر استدامة وازدهارًا. 

لوقتٍ طويل، كان التطوير العقاري يُختزل في معادلة بسيطة: اشترِ أرضًا، ابنِ عليها، ثمّ بِعْ. 

لكن هذا النموذج أصبح اليوم أقلّ قدرةً على خلق قيمة في مدن يعيش فيها الإنسان لا كمارٍ عابر، بل كجزءٍ من نبضها اليومي. فالمكان لم يعُد مجرّد مساحة، بل منظومة تعمل، تتكامل، وتنتج قيمة.
 
عندما تُبنى المدينة لتسهّل حركة الإنسان، تصبح خطواته هي المُحرّك الأساسي للقيمة. كلُّ مرور، كلُّ توقف، كلُّ استخدام للمرافق — هو جزء من لغة حضرية تُسمّى Economy Footfall؛ اقتصاد الحركة البشرية الذي يخلق طلبًا حقيقيًا على الخدمات والتجارب، ويحوّل المشاة أنفسهم إلى موجات حياة تنبض بها المدينة.
 
ومع تطوّر المدن الذكية، أصبح المكان قادرًا على قراءة الأنماط والسلوكيات والاستجابة لها بذكاء، مع تقليل الأثر البيئي ورفع كفاءة استخدام الموارد؛ ليكون التطوير الحضري أداةً لخدمة الإنسان لا عبئًا عليه.

وهنا تظهر وجهة مسار في مكة المكرمة بوصفها مثالًا حيًا لهذا التوجّه. 

"مسار" ليس مشروع تطوير عقاري…

وليس طريقًا تمَّ إنشاؤه…

بل محور ربط حضري يخدم ملايين البشر الذين يصلون إلى مكة من كل فجٍّ عميق.

مسار:

• يُسهّل الوصول إلى الحرم

• يربط الخدمات، الضيافة، والتجربة الحضرية

• يخلق بيئة مشي آمنة ومريحة

• يُدار وفق مبادئ حوكمة فعّالة واستدامة

• يجعل المكان يعمل لصالح الإنسان لا العكس

وبهذا المنطق، تتحوّل المعادلة من تفكير تقليدي: "اشترِ أرض + ابنِ + بِعْ"

إلى تفكير حديث: 

"ابنِ منظومة حضرية متكاملة + شغّلها بذكاء + استثمر البيانات + حقق أثرًا بيئيًا واجتماعيًا مستدامًا".

إنّ سرّ مسار ليس في حجمه ولا في حدوده…

بل في قدرته على أن يخدم الإنسان، يخلق قيمة تعود على المجتمع والمكان، وتدعم منظومة حضرية عادلة ومسؤولة تحترم روح مكة وتخدم ضيوف الرحمن وسكانها.  


ياسر عبدالعزيز أبو عتيق

الرئيس التنفيذي لشركة أمّ القرى للتنمية والإعمار -المالك و المطور و المشغل لوجهة مسار