توقيت الدخول إلى الأسهم عملية شائكة محفوفة بالمخاطر، وهي الحالة التي تمت دراستها على مدى عقود من الزمن، وخلاصتها أن التوقيت لعبة صعبة بغض النظر عن جودة التحليل المالي أو الفني أو معاً، ومع ذلك فهناك مؤشرات ودلائل تستخدم لمعرفة جودة التوقيت، حيث من المفترض أن المخاطرة تزداد في حال الدخول عند القمم، وتنخفض في الدخول عند القيعان، إلا أن الإشكالية في ذلك كيف لنا معرفة القمم والقيعان! حالات كثيرة رأينا فيها تشكل قمم جديدة أعلى من القمم السابقة، كما في الأسواق الأمريكية على وجه العموم، وفي المقابل نجد قيعانا تلي قيعانا سابقة وهكذا، لذا الفائدة تكون أقل عندما نكتشف القمة بعد تراجع الأسهم، والقاع بعد ارتداد الأسهم وتعافيها.
هل هذا وقت الدخول إلى الأسهم السعودية؟
السؤال مطروح بقوة بعد تراجع السوق المحلية في الأشهر الماضية، في حين ما زالت الأسهم الأمريكية تدور حول قمم تاريخية مع تركّز واضح في عدد محدود من الشركات، ومن المعروف أن المراهنة على اتجاه واحد تنجح مع الاستثمار طويل الأجل (5 سنوات وأكثر)، أو مع الدخول في الوقت المناسب، والأولى تحتاج صبراً وانضباطاً، والثانية تحتاج قدراً كبيراً من الحظ. ومع ذلك هناك مؤشرات يستدل بها لتخفيف أخطاء التوقيت، تشمل قراءة ربحية الشركات والعوامل الاقتصادية وحركة السهم، وغيرها، وبما أن القمم والقيعان لا تُعرف إلا بأثر رجعي، فمن الحكمة تحويل التوقيت من قرار لحظي إلى عملية ممتدة زمنياً، لذا أتت فكرة الشراء على دفعات (DCA) خلال أشهر ومن ثم إعادة التوازن عندما تنحرف الأوزان كثيراً عن المستهدف، فيصبح التذبذب مصدراً لتحسين متوسط تكلفة الدخول بدلاً من أن يكون مصدر قلق. إذاً الجواب المباشر عن توقيت الدخول إلى الأسهم السعودية: نعم ولكن بحذر، وباستخدام أسلوب الشراء الممتد زمنياً.
ماذا عن وجهة أسعار الفائدة؟ مع أو ضد الدخول؟
أسعار الفائدة لها تأثيرات عديدة، أهمها أنها ترفع من جاذبية أسهم التوزيعات وتخفض من جاذبية العوائد الخالية من المخاطر (الودائع والسندات الآمنة)، حيث ترتفع القيمة النسبية للشركات ذات السياسات الواضحة والمعلنة للتوزيع، وهي سياسة بدأت تتخذها بعض الشركات السعودية التي تعلن عن مقدار التوزيعات المستقبلية، أو على الأقل يكون لديها انضباط في عملية التوزيع، ليست عشوائية كما لدى بعض الشركات الأخرى. فنجد شركات مثل أرامكو وشركة الاتصالات أعلنتا عن سياسات توزيع واضحة ومعلنة، وبعضها يربط التوزيع بالأداء أو بالتدفقات النقدية الحرة، فهناك شركات حالياً ممكن أن تمنح المستثمر عوائد سنوية منافسة للصكوك والسندات، مع إمكانية تحقيق أرباح رأسمالية نتيجة ارتفاع أسعار أسهمها.
هل واقع السيولة في البلاد مع أو ضد الدخول إلى الأسهم؟
جانب السيولة مهم جداً في اقتصاد يشهد نمواً متواصلاً في عرض النقود، بمعنى أن هناك ازديادا متواصلا في مقاييس السيولة على مستوى البنك المركزي، لكن السيولة المتاحة لدى البنوك تمر بأزمات بحسب ما يستجد من ظروف وتطورات وهي حالياً شحيحة إلى حد ما، لكن السيولة المؤثرة في سوق الأسهم ليست تلك الخاصة بعرض النقود ولا السيولة البنكية، بل هي الناتجة عن انتقال الأموال من مكان إلى آخر. فمثلاً، التعديلات المعلنة على ضريبة الأراضي البيضاء قد تدفع بعض الملاك إلى إعادة ترتيب محافظهم بين بيع وتطوير وتمويل بديل، وقد تخرج سيولة من العقار وتتجه إلى أدوات مالية أخرى، ربما إلى الأسهم وربما إلى غيرها. فقد تتجه السيولة إلى صناديق النقد أو الصكوك أو أذونات "ساما" أو تبقى في ودائع قصيرة، وربما يذهب جزء منها إلى الأسهم إن تبين أنها خيار مناسب وتوقيتها مناسب، لذا هناك عوامل كثيرة تحكم حجم أي بيع فعلي للعقارات ووجهة محصلات البيوع، إن حصل ذلك بالفعل، نتيجة سرعة التطبيق وأسعار الأراضي الجديدة وتوافر الائتمان لدى المطورين إلى جانب درجات المخاطر لدى الأفراد. لذا من الصعب القول إن رسوم الأراضي البيضاء ستنتج عنها بيوع جماعية وستتكدس الأموال لدى البائعين، ولن يجدوا قنوات مناسبة إلا الأسهم وغيرها من أدوات مالية.
السوق المالية السعودية تدعم تعدد القنوات
أشارت هيئة السوق المالية في أخبار لها هذا الأسبوع إلى نمو ملحوظ في منظومة الأدوات الاستثمارية بنهاية الربع الثاني 2025، حيث بلغ عدد المحافظ الاستثمارية للأفراد نحو 14 مليون محفظة بزيادة تقارب 12% على أساس سنوي، وعدد المستثمرين الأفراد وصل إلى نحو 7 ملايين مستثمر، والمحافظ المدارة ارتفع عددها إلى أكثر من 100 ألف محفظة، فيما زادت قيمة أصولها إلى أكثر من 350 مليار ريال. كما زاد عدد الصناديق الاستثمارية إلى أكثر من 1700 صندوق بقيمة 780 مليار ريال، مع قفزة لافتة في عدد المشتركين إلى نحو 1.75 مليون مشترك، وهو رقم تاريخي جديد. لذا هناك حراك على صعيد الأوراق المالية، بحيث أصبحت هذه الأسواق المالية قنوات جديدة ومنافسة للبدائل الأخرى، كالعقار والتجارة والاستثمارات الأخرى، فأصبحت بنية السوق المالية أكثر قدرة على توزيع المخاطر واستيعاب السيولة بأشكال مختلفة.
لماذا لا يكون الاتجاه نحو الأسهم الأمريكية؟
لا خلاف على أن السوق الأمريكية ما زالت قوية، والعوائد هناك مدفوعة بأداء شركات عالمية عملاقة، إلا أن تقييماتها تظل عند مستويات تاريخية مرتفعة، ما يجعل هامش الأمان أضيق حتى وإن استمر النمو، بينما في المقابل يأتي تراجع الأسهم السعودية ليرفع من تقييماتها، على مستوى مكررات الربحية والحراك الاقتصادي والهياكل الداعمة كوجود دورة استثمارية واسعة في الطاقة والبتروكيماويات والخدمات اللوجستية والسياحة والتقنية ومراكز البيانات والبنية التحتية، وغيرها. لذا من المتوقع مع حدوث خفض للفائدة قد نرى إعادة تسعير تدريجية لأسهم التوزيعات وتحسنا في الإقبال المؤسسي عبر الصناديق والمحافظ المدارة.
ويبقى التساؤل عما إذا كان الآن الوقت المناسب للدخول؟
والجواب الأقرب للواقع أنه مناسب لمن يدير العملية بشكل منضبط لا كمقامرة على اتجاه واحد، ومن خلال دخول متدرج زمنياً، مع تحديد نسبة أساسية للسوق السعودية ضمن محفظة متنوعة عالمياً، مع ميل محسوب نحو شركات التوزيعات ذات السياسات المعلنة والميزانيات المتينة، على أن يعيد التوازن تلقائياً عند الانحرافات الكبيرة. هذا هو النهج المفيد للمستثمر، وهي مجرد قراءة للمشهد وليست نصيحة استثمارية، فالسوق المحلية اليوم تبدو في منطقة أفضل من ناحية التقييم مقارنة بقمم الأسواق الأمريكية، واحتمال خفض الفائدة يرفع وزن أسهم التوزيعات، وحركة السيولة قد تعيد رسم الخريطة بين العقار والأوراق المالية، فيما تشير بيانات هيئة السوق المالية إلى توسع لافت في المنتجات وعدد المستثمرين. فمن يريد الدخول لا يحتاج حظاً خارقاً بقدر ما يحتاج خطة دخول تدريجية وصبراً كافياً لاحتواء التقلبات.
نقلا عن الاقتصادية
بارك الله فيك يا دكتور ومقال رائع وعقلاني يستند على واقع وخبرات اقتصادية طويلة 💚