الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد.
كانت أسعار الذهب مستقرة وثابتة عند حوالى 35 دولار للأونصة حتى عام 1971 العام الذى تحركت فيه الأسعار مرتفعة بشكل متسارع حيث تم فك الارتباط بين الدولار والذهب، وبدأ عصر طباعة أوراق العملات دون غطاء ذهبي، والحقيقة المشاهدة أن قوة العملة هي في ضعف الذهب، وضعف العملة في قوة الذهب؛ فالعلاقة عكسية بينها، وقد كان السبب الداعي للمقالة أنني تأملت في تغريدات كتبتُها حول نصاب الورق النقدي وأن الأقرب إلحاقه بنصاب الذهب فكان تقدير النصاب على النحو التالي:
في عام 1440-2019)) 11,500
وفي عام (1441-2020) 14,620
وفي عام 1443-2022)) 19,788
وفي عام 1444-2023)) 17,563
وفي عام (1445-2024) 22,900
وفي هذا العام 1446-9-16 الموافق 2025-3-16 هو 26,265
والتقديرات السابقة هي منتصف رمضان من كل عام ولعلي لم أحسبه في عام 1442
وما يلاحظه القاريء الكريم أنه متزايد من عام 1440 حتى تجاوز الضعف في ستة أعوام فقط. وغنيٌ عن القول أن في أصل المسألة خلاف بين المعاصرين هل نلحق الورق النقدي بنصاب الفضة أم بنصاب الذهب.
ولست بصدد بحث المسألة من جديد. وحسبك أن القائلين بنصاب الذهب اجتهادات جماعية لها ثقلها كالأيوفي وبيت الزكاة الكويتي وعلماء أفراد مثل أبي زهرة وعبدالوهاب خلاف. وأن لكساد الفضة دور في الأخذ بهذا القول، وغني عن القول أيضا أن الذين اختاروا نصاب الفضة اجتهادات جماعية كمجمع الرابطة الفقهي وهيئة كبار العلماء في المملكة.
وقد وجدت في الطرح الفقهي من ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك وأن النصاب هو حد كفاية سنة كاملة فقد ذكر الدكتور الفنجري تقديره في مقابلة صحفية أجرتها معه (اليمامة) السعودية، في عددها رقم 802 تاريخ 8 شعبان 1404هـ، حيث قال ردا على سؤال المجلة، كيف نحدد نصاب الزكاة بعملة اليوم الورقية، فأجاب فضيلته:... وقد ورد في السنة النبوية أن نصاب الزكاة في الغنم هو ما زاد عن أربعين شاة، وما زاد على عشرين مثقال ذهب، أو مائتي درهم فضة، وكانت هذه الأنصبة متساوية، وكل منها تكفي معيشة أسرة كاملة لسنة كاملة، وحيث كانت الأربعين شاة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تساوي مائتي درهم، فالشاة ثمنها خمسة دراهم، وبما أن متوسط سعر الشاة اليوم [500] ريال فنصاب الزكاة، بالعملة الورقية السعودية، يساوي عشرون ألف ريال، فمن كان عنده أكثر من عشرين - وجبت عليه الزكاة ا.هـ
ويقول في كتابه (المذهب الاقتصادي في الإسلام) ص 175: النصاب الشرعي من الفضة أصبح لا يساوي شيئا يذكر بجانب الأنصبة الشرعية الأخرى من الذهب أو الأنعام وغيرها، وهذا ما يدعونا اليوم إلى ضرورة تحديد نصاب الزكاة بالعملات السائدة في كل بلد باعتبار الأساس الشرعي، وهو ما يلزم من عملة هذا البلد لمعيشة أقل أسرة لمدة سنة كاملة ا.هـ
تأمل أيها القاريء الكريم قبل أربعين سنة كان يرى أن النصاب 20,000 ونزولا عند رأيه إذا قلنا إن متوسط سعر الشاة الآن 1200 ريال فهذا يعني أن النصاب هو 48,000 هذه السنة 1446 وسعر الشاة في العهد النبوي كانت تترواح بين 5 -10 دراهم أخذ ذلك من حديثين:
- حديث الجبران في الزكاة «من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة - فإنها تقبل منه ومعها شاتان، أو عشرين درهم» رواه البخاري
- حديث عروة البارقي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا ليشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح به) رواه البخاري.
ففي الحديث ما يدل على أن الشاة ثمنها دينار، أو نصف دينار في سوق المدينة؛ أي ما يعدل: 5 - 10 دراهم، إذا كان الدينار عشرة دراهم، وقد يكون ثمنها ستة دراهم أو سبعة أو ثمانية أو تسعة أو عشرة وهذا التفاوت بناءً على الجودة وحجم الطلب وغيره...
ومما يدل على أن السعر ليس بثابت وأنه يتعرض لتقلبات السلع في الأسواق ما جاء في شأن الإبل خاصة في حديث ابن عمر رضي الله عنهما (لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا، وليس بينكما شيء).
وفكرة النظر إلى أنصبة الأموال الزكوية في تقدير نصاب الأوراق النقدية فكرة مقبولة؛ فالقياس يدعم هذه الفكرة لكن عندما ننظر إلى نصاب المحاصيل الزراعية (الخمسة أوسق) نجد التباين السعري بين البر والشعير والذرة فالخمسة أوسق (612 كيلو على تقدير العثيمين للصاع – 900 كيلو على تقدير اللجنة الدائمة) فمن أي الأصناف سيكون النصاب.
612 كيلو من البر أم من الشعير أم الذرة.
ويقال مثل ذلك في الأنصبة من بهيمة الأنعام
فليس هناك تماثل بين 5 من الإبل أو30 من البقر أو40 من الغنم.
نعم صحيح الأنصبة الزكوية في السائمة من بهيمة الأنعام والزروع والثمار تزكى من أعيانها، دون النظر إلى قيمتها التي قد تختلف عبر العصور، ولا أثر لتغير قيمتها في زكاتها التي تخرج من أعيانها. وهذا الشيء لا ينبغي إغفاله عند الحديث عن هذه المسألة.
إن تداعيات عصر الإلزام بالورق النقدي ألقى بظلاله على السياسة النقدية الساعية إلى تحقيق الاستقرار المالي وبالتالي التحكم بكميات النقود المصدرة. وذلك لضبط المستوى العام للأسعار واستقرار القيمة الحقيقية للعملة الوطنية.
ولا شك أن هذا يحفظ على الناس أموالهم ومعاشهم ولكن مع مرور السنين لا يمكن التحكم في هذا الاستقرار، وألقى بظلاله أيضا على المستوى الشرعي لذا تناول الفقهاء المعاصرون في ملتقيات ومؤتمرات مسألة تغير قيمة العملة وربط الديون بمستوى الأسعار ومدى جواز ذلك، وبما أن الورق النقدي نقد اصطلاحي ليس ذهبا ولا فضة (نقود بالخلقة) فالسؤال المطروح ألم يحن الوقت لبحث نصاب الأوراق النقدية مع توافر هذه المؤثرات الاقتصادية، خصوصا مع كساد الفضة والارتفاع الباهظ للذهب.
خاص_الفابيتا