دور الوسطاء ومستقبل العمولة

19/11/2023 0
د. فهد الحويماني

يبدو أن الحكم القضائي ضد وسطاء عقاريين في الولايات المتحدة بغرامة قيمتها 1.8 مليار دولار قد أقض مضاجع الوسطاء العقاريين ليس فقط في أمريكا بل حتى في دول أخرى، فهل من تأثير على الوسطاء العقاريين في المملكة؟ وما طبيعة المشكلات التي تواجه الوسطاء العقاريين في أمريكا لدرجة رفع قضايا ضدهم؟ وما دور الجمعيات الوطنية للوسطاء العقاريين في ذلك؟

أولا، بالنسبة للقضية التي تم الحكم فيها ضد الجمعية الوطنية للوسطاء العقاريين في أمريكا وشركتي وساطة فقد تمت في ولاية ميزوري بسبب اتهام الوسطاء بالتآمر لرفع العمولات على البائعين والمشترين، وبدأت تتسع دائرة الاتهام إلى ولايات أمريكية أخرى وبعض الدول، منها كندا التي تقوم حاليا بدراسة الحالة الأمريكية باهتمام كبير. أساس المشكلة أن عمولة بيع الممتلكات العقارية في أمريكا ودول أخرى تدفع من قبل البائع والمشتري، وتكون عادة بين 5 و6 في المائة من قيمة العقار تدفع مناصفة بين البائع والمشتري، غير أن الذي يحدث في حالات كثيرة أن الوسطاء يضغطون على البائع لدفع حصة عمولة وسيط المشتري أو جزء كبير منها، بدلا من المشتري الذي في الأغلب يحتج على دفع عمولة مقابل خدمة تكبد جل عنائها بنفسه.

الوضع في المملكة يختلف عنه في أمريكا، حيث إن العمولة هنا تقليديا ونظاما تم تحديدها بمقدار 2.5 في المائة كسقف أعلى، على أن يتم الاتفاق بين الأطراف المعنية، البائع والمشتري ومكتب العقار، فيمن يتحمل تكلفتها. هذا لا يعني عدم وجود مشكلات تسويقية ومنازعات حول من يدفع العمولة في المملكة، بل فقط إن نسبة العمولة في المملكة أقل بنحو 50 في المائة عن العمولة في الخارج، ولكن هل خدمات الوساطة والتسويق متكافئة بين الداخل والخارج؟ والسؤال الأهم من ذلك هل خدمة البيع، سواء في الداخل أو الخارج، مكلفة ماليا إلى درجة جعل مبالغ العمولة المحصلة مبررة؟

هناك جوانب عدة لقضية العمولة ودور الوسطاء ومدى استحقاقهم لما يحصلون عليه من عمولات، وليس فقط في المجال العقاري بل في كل المجالات والأنشطة التجارية، والسبب يعود لدور الإنترنت والخدمات الإلكترونية وتوافر المعلومات وسهولة عرض الخدمات والحصول عليها. لذا عند النظر إلى مبلغ العمولة لا بد من النظر إلى مقدار الجهد والتكاليف المالية التي يتكبدها كل طرف في العملية، فمثلا في المجال العقاري يتحمل وسيط البائع عبء عرض العقار للبيع والإعلان عن ذلك، واستقبال المشترين المحتملين وإرشادهم إلى العقار ومرافقتهم إليه أحيانا، إضافة إلى ضرورة التحقق من صحة المعلومات والوثائق. هذا الجانب من دور وسيط البائع لا يزال قائما حتى إن تمت الاستفادة من التقنيات الإلكترونية في ذلك، أما دور وسيط المشتري فهو أقل أهمية كنتيجة حتمية لاعتماد المشتري على الخدمات الإلكترونية، لذا هناك تعاون أو إن شئت تآمر بين وسطاء البائعين ووسطاء المشترين إلى درجة أن بعض وسطاء البائعين لا يقبل التعامل مع المشتري إلا من خلال وسيط. وفي حالات كثيرة يكون وسيط المشتري هو ذاته وسيط البائع، فيحصل المكتب على العمولة كاملة، بين 5 و6 في المائة من قيمة العقار.

الوسطاء العقاريون في أمريكا يتمتعون بنفوذ سياسي كبير ولديهم جمعية يبلغ عدد أعضائها 1.5 مليون عضو، وهم الآن يدافعون بقوة عن مصالحهم ويحاولون إبقاء العمولة كما هي وعدم المساس بنموذجها القائم منذ عشرات الأعوام، علما أنهم يؤكدون أن مبلغ العمولة قابل للتفاوض ولا يكون هناك أي إجبار على دفع العمولة. تؤكد دراسة جمعية الوسطاء العقاريين الأمريكية أن 86 في المائة من البائعين والمشترين يلجأون إلى الوسطاء العقاريين وأن العقارات التي يتم تسويقها عن طريق الوسطاء تباع بالمتوسط بزيادة 100 ألف دولار على العقارات التي يتولى بيعها صاحب العقار نفسه.

الجدير بالذكر أن نظام الوساطة العقارية في المملكة حدد ضوابط عديدة ومتنوعة لعملية الوساطة والحصول على التراخيص اللازمة لذلك وأوضح الفرق بين الوسيط والمسوق، وألزم الوسيط بضرورة الحصول على نسخ من وثائق الملكية والتحقق من صحتها، وجعله مسؤولا عن جميع الأضرار التي تلحق البائع أو المشتري نتيجة مخالفته ذلك، كما حدد النظام عمولة الإيجار بنسبة 2.5 في المائة عن عام واحد فقط، ولا يجوز أخذ عمولة لأي أعوام إضافية.

بالعودة إلى حقيقة عمولة الوساطة وما طرأ وسيطرأ من تغيرات بسبب التقنية والاهتمام بخفض التكاليف غير الضرورية، فمنذ أن رأت الإنترنت النور في أوائل التسعينيات الميلادية ودور الوسيط في إتمام العمليات التجارية بات محط اهتمام وانتقاد ومحاولات كثيرة لتقليصه وخفض تكلفته. وبالنظر إلى مختلف الأنشطة التجارية نجد أنه لا مقياس علمي ولا مهني دقيق لمقدار العمولة ولا من يقوم بدفعها، فهي متفاوتة في مبالغها ونسبها وفي من يقوم بدفعها. فمثلا في معارض السيارات المستعملة هناك تفاوت في العمولة، أحيانا تكون مبلغ محدد بـ1000 ريال وتؤخذ من البائع، وأحيانا تؤخذ من المشتري بطريقة غير مباشرة، نتيجة اختلاف سعر البيع النهائي عن المبلغ المحصل من قبل البائع.

في مجال أسواق الخضار المركزية، الذي يدفع العمولة هو المزارع وبنسب تراوح بين 5 و10 في المائة من حجم العملية. أما في تداول الأسهم فالوسيط يقوم بأخذ مبلغ العمولة من البائع ومثله من المشتري، حتى إن كان الاثنان عملاء للوسيط نفسه، وفي التجارة الإلكترونية عموما يقوم البائع بدفع العمولة للمتجر، وفي خدمات سيارات الأجرة الإلكترونية العمولة يدفعها صاحب السيارة لا الراكب "المشتري"، وهكذا.

ربما تحتاج قضية عمولة الخدمات بجميع أشكالها إلى تقنين معين حيث يتم تحديد ما إذا كانت تدفع نسبة، أم مبلغا مقطوعا، ومن يقوم بدفعها، ومتى تستحق العمولة، مع ضرورة التفريق بين عمولة الخدمة وأي رسوم أخرى لخدمات إضافية، مع الأخذ في الحسبان الدور الكبير الذي تلعبه الخدمات الإلكترونية، التجارية والحكومية، في ذلك من حيث سهولة الاستخدام وتدني تكلفة تقديم الخدمات.

 

 

 

نقلا عن الاقتصادية