انخفاض البطالة بدعم النمو ومبادرات التوطين

05/10/2023 0
عبد الحميد العمري

عاد معدل البطالة بين المواطنين إلى التراجع مجددا إلى 8.3 في المائة بنهاية الربع الثاني من العام الجاري، بعد أن كان قد ارتفع خلال الربع الأول إلى 8.5 في المائة، ورغم أنه لا يزال أعلى من المستوى الأدنى الذي سجله بنهاية العام الماضي (8.0 في المائة)، إلا أن السيطرة على البطالة وتحقيق مزيد من الضغط عليها في ظل تباطؤ معدلات النمو عن مستوياتها الأعلى خلال العام الماضي، حيث تراجع معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي من 11.2 في المائة بنهاية الربع الثاني من العام الماضي، إلى 1.2 في المائة بنهاية الربع الثاني من العام الجاري، نتيجة تراجع النمو الحقيقي للقطاع النفطي بنحو 4.3 في المائة خلال الربع الثاني من العام الجاري، مقارنة بارتفاعه خلال الربع نفسه من العام الماضي بنحو 22.8 في المائة، ويعزى السبب الرئيس للمحافظة على وتيرة النمو إلى القطاع غير النفطي، الذي ارتفع نموه الحقيقي من 5.0 إلى 5.2 في المائة بنهاية الربع الثاني من العام الجاري (نمو القطاع الخاص 5.8 في المائة).

وبالنظر إلى التوقعـات الإيجابية تجاه الأداء الاقتصادي المحلي خلال 2023، المتوقع أن يحافظ خلاله الناتـج المحلـي الإجمالي الحقيقـي على معدل نمو إيجابي، مدعوما بنمو الناتج المحلي للأنشطة غير النفطية المتوقع نموه بمعدل 5.9 في المائة، وذلك في ظل الأداء الإيجابي لكل من المؤشرات الاقتصادية والاستراتيجيات، والبرامج المتخذة لتعزيز السياحة وجذب الاستثمارات في المملكة خلال النصف الأول من العام الجاري. إضافة إلى توقع نمو نشاط الصناعات التحويلية، حيث سجل متوسط مؤشر الرقم القياسي للإنتاج الصناعي نموا بنحو 1.0 في المائة منذ بداية العام الجاري حتى نهاية يوليو الماضي، مدفوعا بنمو المصانع التي بدأت بنشاطها الإنتاجي مع مطلع العام الجاري حتى الشهر السابع من العام بنحو 569 مصنعا، تطلبت ضخ إجمالي استثمارات بنحو 16.3 مليار ريال، كما حقق إجمالي تكوين رأس المال الثابت (غير الحكومي) خلال النصف الأول من العام الجاري، نموا سنويا وصلت نسبته إلى 8.5 في المائة، وزاد من زخم زيادة النشاط الاقتصادي المحلي، الارتفاع الجيد المتحقق للاستثمار الأجنبي المباشر، الذي سجل نموا سنويا خلال الربع الأول من العام الجاري بمعدل بلغ 10.2 في المائة، وهي التطورات الاقتصادية المحلية الإيجابية جدا في ظل الأوضاع غير المواتية التي يشهدها الاقتصاد العالمي، نتيجة الاضطرابات القائمة في التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، إضافة إلى ارتفاع تكاليف تمويل النشاطات الاقتصادية عموما تحت ضغوط البنوك المركزية برفعها معدلات الفائدة، وانتهاجها مزيدا من سياسات التشديد النقدي للتصدي لارتفاع معدلات التضخم الأعلى خلال أكثر من أربعة عقود زمنية مضت، علما أن معدل التضخم المحلي (2.0 في المائة) يعد من أدنى المعدلات عالميا، وعند مستويات معقولة نسبيا مقارنة ببقية الدول المتقدمة والنامية بفضل التدابير الاستباقية والسياسات التي اتخذتها الحكومة لاحتواء ارتفاع الأسعار، ووضع حد أقصى لأسعار البنزين ورفع مستوى وفرة المخزون الغذائي، إلى جانب دعم برامج الحماية الاجتماعية.

الخلاصة في ضوء الأوضاع غير المواتية التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وانعكاساتها الحتمية محليا نتيجة للارتباط الكبير مع العالم والشركاء التجاريين، إلا أن من أهم وأبرز ما أسهم في تحييد تلك الآثار العكسية على الاقتصاد المحلي، النتائج المهمة التي تحققت للاقتصاد بفضل الإصلاحات الاقتصادية الشاملة التي شهدها تحت مظلة رؤية المملكة 2030، في مقدمتها النتائج المتحققة لسوق العمل المحلية، التي شهدت تحسن مؤشراتها بالارتفاع المستمر لمعدلات التوطين وتراجع معدل البطالة بين المواطنين إلى أدنى مستوياته في أكثر من عقدين من الزمن، جاء كل ذلك نتيجة عديد من مبادرات التوطين المتنوعة، والمبادرات الداعمة للقطاع الخاص، المتمثلة في رفع نسبة المحتوى المحلي في مشاريع تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية، وتحفيز الصادرات الوطنية، وبرامج التخصيص التي تهدف إلى إيجاد فرص للمواطنين في سوق العمل، ومبادرة تمكين المرأة التي نتج عنها تعزيز مشاركتها في سوق العمل المحلية بنسبة وصلت إلى نحو 35.3 في المائة بنهاية الربع الثاني من العام الجاري، وتجاوزها بتلك النسبة السقف المستهدف لها، وفقا رؤية المملكة 2030، البالغة 30 في المائة، بما يشير بوضوح إلى التحسن الملموس الذي شهدته بيئة الأعمال محليا، مدعومة بمستويات النمو الإيجابية التي تحققت بحمد الله للاقتصاد السعودي، واعتماده بنسبة أكبر على القطاع غير النفطي.

ختاما، يجدر التأكيد أيضا على استمرار مبادرات وبرامج التوطين المعمول بها خلال الفترة الراهنة، واستكمال مراحلها التي سبق الإعلان عنها طوال أكثر من عامين مضيا، التي أسهم استمرار تنفيذها في حصد النتائج الإيجابية الراهنة، المتمثلة في الانخفاض المستمر لمعدل البطالة، ووصوله إلى أدنى مستوياته التاريخية، والسيطرة عليه بمزيد من الالتزام بتلك المبادرات وتطويرها مستقبلا، للوصول بالبطالة إلى مستوياتها المستهدفة. والتأكيد أيضا على أنه في الوقت ذاته الذي يشهد عديد من الاقتصادات إقليميا وعالميا تحديات كبيرة، فقد جاءت انعكاساتها أدنى بكثير عما شهدته الاقتصادات الأخرى لما سبق إيضاحه والإشارة إليه أعلاه، وأن الاقتصاد الوطني لا يزال يحتفظ بحظوظ قوية من النمو الحقيقي المطرد، بمشيئة الله تعالى، وفقا لما تحقق حتى نهاية النصف الأول من العام الجاري، ووفقا لتقديرات صندوق النقد والبنك الدوليين لعامي 2023 - 2024، وهي المؤشرات الإيجابية اقتصاديا وماليا التي ستدفع بمزيد من نمو معدلات توظيف المواطنين والمواطنات خلال العام الجاري، والاستمرار أيضا بها خلال العام المقبل، وصولا إلى تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 بشكل عام، وسوق العمل المحلية بخفض معدل البطالة إلى 7.0 في المائة فما دون، بمشيئة الله تعالى.

 

 

 

نقلا عن الاقتصادية