استراتيجية وطنية لنشاط الخدمات

21/09/2023 0
عبد الحميد العمري

جاء نشاط الخدمات الأسرع نموا بالأسعار الحقيقية للربع الثاني على التوالي خلال العام الجاري، حيث وصل معدل نموه الحقيقي بنهاية الربع الثاني الماضي إلى 6.0 في المائة، مقارنة بتراجع النمو السنوي الحقيقي للنشاط الصناعي بنحو 2.3 في المائة (نمو النشاط الصناعي باستبعاد النفط بنحو 3.6 في المائة)، ومقارنة بالنمو السنوي للنشاط الزراعي بنحو 3.5 في المائة، وقياسا على الوزن النسبي للنشاط الخدماتي البالغ 42.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية الربع الثاني من العام الجاري، وهو الوزن النسبي الثاني بعد النشاط الصناعي البالغ 54.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فقد أسهم هذا النشاط في محافظة الاقتصاد الكلي على وتيرة النمو خلال الربع الثاني الماضي بمعدل سنوي بلغ 1.2 في المائة، على الرغم من تراجع النشاط الصناعي بمعدل سنوي 2.3 في المائة.

يعد نشاط الخدمات من أكثر النشاطات أهمية في الاقتصادات الحديثة الطامحة نحو النمو، وهو النشاط الذي تتجاوز مساهمته في الاقتصادات المتقدمة وذات النمو الأسرع 60 في المائة فأكثر، حيث تتجاوز مساهمته في الاقتصادات المتقدمة نسبة 80 في المائة فأكثر، وهو الهدف المنشود تحقيقه في الاقتصاد الوطني خلال العقدين المقبلين على أقل تقدير، وبالنظر إلى المكونات الراهنة للنشاط الخدماتي في المملكة (تجارة الجملة والمطاعم والفنادق، والنقل والاتصالات والتخزين، وخدمات المال والتأمين والعقارات وخدمات الأعمال، وخدمات جماعية وشخصية، ومنتجي الخدمات الحكومية)، وأخذا في الحسبان أنه النشاط الأكثر توظيفا للعمالة في سوق العمل المحلية، تحديدا العمالة المواطنة بتوفيره نحو ست فرص عمل من كل عشر فرص عمل حتى منتصف العام الجاري، الذي يشير ويؤكد في مجمله إلى الأهمية الكبيرة التي يشكلها نشاط الخدمات الآن ومستقبلا في مسار النمو المستهدف للاقتصاد الوطني، وكونه أيضا النشاط الذي يضم الفرص الأوسع والأكثر تنوعا على مسار زيادة تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، إضافة إلى حظوظه الأوفر في اجتذاب الابتكارات الحديثة المسرعة للاقتصاد على المستويات كافة، وهي الاعتبارات البالغة الأهمية التي تضع المخطط الاقتصادي عند أعلى القناعات بتوفير القدر الأكبر من المحفزات والممكنات أمام القطاعات الاقتصادية المشكلة في مجملها لنشاط الخدمات، استنادا إلى الاعتبارات السابقة أعلاه، إضافة إلى بقية الاعتبارات التي يأتي ذكرها في هذا المقال المختصر.

لقد اهتمت مبادرات وبرامج رؤية المملكة 2030 بتحفيز نشاطات الاقتصاد الوطني كافة، ومن ضمنها بالتأكيد نشاط الخدمات، إلا أن النشاط قياسا على الأهمية الكبرى التي يحظى بها في الوقت الراهن بالنسبة إلى الاقتصادات كافة حول العالم، أصبح مؤكدا أنه في حاجة ماسة إلى إقرار استراتيجية عملاقة واسعة النطاق، أسوة بالاستراتيجية الصناعية التي تم إقرارها العام الماضي، وبدأت تجني ثمارها في وقت مبكر من العام الجاري، وانعكست إيجابيا على استقرار الأداء الاقتصادي محليا، وبالتأكيد فإن نشاط الخدمات من خلال مكوناته الرئيسة من مختلف القطاعات المذكورة آنفا، سيستفيد في ظل وجود الاستراتيجية المنشودة لتحفيزه وتوسيع مساهمته اقتصاديا، وعلى مستوى إيجاد مزيد من فرص العمل المجدية أمام الموارد البشرية المواطنة، وهي المكاسب الواعدة جدا التي ستصب في نهاية المطاف في مصلحة الاقتصاد الوطني، وفي مصلحة العمل بوتيرة أسرع نحو خفض معدل البطالة، ذلك التحدي التنموي "البطالة" الذي يستدعي اتخاذ التدابير اللازمة كافة لأجل خفضه، والوصول بمعدلها إلى ما دون مستواها المستهدف قبل حلول 2030.

لقد تمكن النشاط الخدماتي من تحقيق الأداء الجيد خلال النصف الأول من العام الأول، سواء على مستوى النمو الأعلى مقارنة ببقية النشاطات، أو على مستوى قوة قدرته على التوظيف والتوطين، في الوقت ذاته الذي ارتفعت خلاله تكلفة التمويل إلى أعلى مستوياتها التاريخية خلال العقدين الماضيين، وخلال المرحلة الزمنية التي اكتظت بكثير من الظروف غير المواتية عالميا ومحليا، ما يؤكد كثيرا من الامتيازات المهمة التي يتمتع بها النشاط ممثلا في القطاعات الاقتصادية المشكلة له، وأن دفعة إضافية بوزن استراتيجي مهم ممثلا في إقرار استراتيجية وطنية لتحفيز ودعم نشاط الخدمات، سيشكل وجودها قوة إضافية بالغة الأهمية للنشاط تحديدا، وللاقتصاد الوطني على وجه العموم، وهي المكاسب في المجمل التي سيعني تحققها خلال الفترة الراهنة ومستقبلا نقطة تحول تاريخية من عمر الاقتصاد الوطني، كما سيكون لحضورها على أرض الواقع خلال العقدين الزمنيين المقبلين بصمات بالغة الأثر، وذات قيم اقتصادية يصعب تقديرها بأرقام اليوم، يؤمل فعليا أن تحظى بالتفكير والاهتمام من المخطط الاقتصادي، وأن يتم العمل على التأسيس لها وفق منظومة متكاملة من الجهود المشتركة من الأجهزة الحكومية كافة ذات العلاقة، وبالتأكيد ستشكل مشاركة القطاع الخاص في بناء ونسج هذه الاستراتيجية الوطنية قيمة عالية جدا، ودافعا مهما لنجاحها على أرض الواقع، أسوة بما سبق العمل به في بقية المبادرات والبرامج التي أطلقتها رؤية المملكة 2030. والله ولي التوفيق.

 

 

 

نقلا عن الاقتصادية