من أين يتغذى التضخم محليا؟

20/06/2023 3
عبد الحميد العمري

رغم أن معدل التضخم المعلن عنه أخيرا استقر عند 2.8 في المائة بنهاية أيار (مايو) الماضي، الذي يعد من أدنى معدلات التضخم سواء على مستوى بلدان العالم، أو على مستوى دول مجموعة العشرين، إلا أنه بالنظر إلى أبرز مغذياته بين الأقسام العشرة الرئيسة المكونة للمعدل "الأغذية والمشروبات، التبغ، الملابس والأحذية، السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع وقود أخرى، تأثيث وتجهيزات المنزل، الصحة، النقل، الاتصالات، الترفيه والثقافة، التعليم، المطاعم والفنادق، السلع والخدمات المتنوعة" خلال الفترة الراهنة، فإن النظر سيتجه نحو قسم "السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع وقود أخرى"، التي تشكل الوزن النسبي الأكبر في معدل التضخم بنسبة 25.5 في المائة، وتحديدا المجموعة الفرعية "إيجارات السكن الفعلية" التي تشكل وحدها نحو 21 في المائة كوزن نسبي في معدل التضخم، كانت قد سجلت ارتفاعا سنويا بنهاية أيار (مايو) بلغ أعلى من 9.9 في المائة، الذي سيساوي باحتساب وزنه النسبي في معدل التضخم نحو 2.1 في المائة، أي ما تصل نسبته إلى نحو 74 في المائة من التضخم الراهن.

وتبرز أهمية البحث في هذه المسارات المتعلقة بالتضخم، بالنظر إلى معدل التضخم في كل من مدينتي الرياض وجدة اللتين سجلتا معدل تضخم للشهر نفسه عند 3 في المائة لمدينة الرياض، ونحو 6.6 في المائة لمدينة جدة، كان من أكبر ما دفع بالتضخم إلى تلك المستويات المسجلة بنهاية أيار "مايو" الماضي، الارتفاع في إيجارات السكن الفعلية في المدينتين، حيث بلغ في الرياض نحو 13.7 في المائة، وبلغ في جدة 27 في المائة. وبالتركيز على مستوى أكثر عمقا حول أبرز الأسباب التي دفعت بالإيجارات الفعلية إلى الارتفاع عموما، وفي مدينتي الرياض وجدة على وجه الخصوص، سيأتي الارتفاع القياسي الذي شهدته أسعار الأراضي والعقارات طوال الفترة 2019 - 2022 في مقدمة تلك الأسباب، مع التأكيد على أن أثر هذا السبب لم يقف فقط عند الدفع بالإيجارات نحو الارتفاع، بل امتدت آثاره غير المباشرة إلى نطاقات أوسع شملت أغلب نشاطات الاقتصاد الكلي، ما يعني بدوره أن آثاره تغلغلت حتى في بقية الأقسام الرئيسة الأخرى لمعدل التضخم، بخلاف قسم "السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع وقود أخرى"، وهو الجانب المحوري الذي سبق التطرق إليه كثيرا طوال الأعوام الماضية، نظرا إلى ارتفاع ارتباط القطاع العقاري بأغلب نشاطات الاقتصاد الكلي، وكون عنصر الأرض وما يتم إنشاؤه فوقها، يمثل واحدا من أهم العناصر الداخلة في أي نشاط اقتصادي واجتماعي في أي بلد حول العالم.

الخلاصة مما سبق أعلاه، أن استقرار مستويات الأسعار عقاريا ضمن مناطق عادلة سعريا، سيؤدي إلى تعزيز النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، وأن تعمل السياسات الاقتصادية والمالية على أن يتحول القطاع العقاري محليا من كونه يستمد عافيته من النشاط والأداء الاقتصادي المحلي، عوضا عن أن يستمد عافيته وتصاعد أسعاره من ظواهر سلبية، كالاحتكار والمضاربة على الأراضي وغيرها من التشوهات، التي أصبحت من المستهدفات الساعية إلى القضاء عليها ومحاربتها "نظام الرسوم على الأراضي البيضاء". ذلك أنها وفقا لهذه الصيغة لا تخدم إلا قلة محدودة من ملاك ومتاجرين محدودي العدد، في الوقت ذاته الذي تراها تلحق أذى واسعا وكبيرا، بمختلف نشاطات الاقتصاد الكلي والمجتمع على حد سواء، بل قد تتسبب أيضا في نشوب أزمات اقتصادية ومالية وتنموية واجتماعية لا حدود لآثارها العكسية. وما نشوب الأزمة المالية العالمية 2008 إلا أحد الأمثلة الفعلية الشاهدة على وجود مثل تلك المخاطر في القطاع العقاري.

إن تلاشي التضخم في أسعار الأراضي والعقار، سينعكس إيجابيا على التكلفة الفعلية للإيجارات السكنية والتجارية بالانخفاض في نهاية المطاف، الذي سيؤدي بدوره إلى دعم الاستقرار الاقتصادي في الأجلين المتوسط والطويل، ويسهم في زيادة فرص النمو المستدام، من خلال انخفاض تكلفة تملك الأراضي والعقارات بالدرجة الأولى، ثم انخفاض تكلفة الإيجارات على كاهل القطاع الإنتاجي من الاقتصاد، ما سيسهم بدوره في التخفيف من أعباء التكاليف التشغيلية وزيادة هامش الربحية بالنسبة إلى ذلك القطاع "القطاع الخاص"، ويمنحه فرصا أفضل للتوسع والتوظيف وتنويع قاعدة الإنتاج، وسترجح نتائجه الإيجابية أيضا كفة زيادة معدلات النمو الحقيقي للاقتصاد الوطني، وزيادة توفير الوظائف أمام الموارد البشرية المواطنة، ومن ثم خفض معدل التضخم.

كما سينتج عن زوال التضخم العقاري، سواء على مستوى الأسعار المرتفعة لمختلف الأصول العقارية، أو على مستوى الإيجارات الفعلية للمساكن، انخفاض في تكلفة المعيشة على كاهل القطاع الاستهلاكي، الذي يشكل المجتمع الشريحة الكبرى منه، ويزيد من القوة الشرائية للأفراد، بما يعزز من الطلب الاستهلاكي المحلي، ويسهم في زيادة التدفقات على عموم منشآت القطاع الخاص، التي تضطلع بدورها في زيادة ضخ الاستثمارات المحلية، وزيادة تنوع قاعدة الإنتاج والتوظيف، ما يعزز في منظوره العام من الاستقرار الاقتصادي، ويسهم في ترسيخ دعائم النمو المستدام، ورفع مستوى الدخل، والدفع بتقدم عجلة التنمية المستدامة والشاملة، وفق عمل منظومة متكاملة ومتزنة للاقتصاد الوطني والمجتمع بجميع شرائحه، وبما يمنع من نشوء أي أزمات تنموية بالغة الضرر، كالتضخم والبطالة وانخفاض مستويات الدخل وارتفاع حجم المديونيات وتعثرها لاحقا، وغيرها من أشكال الأزمات الاقتصادية والمهددات لاستقرار أي بلد ومجتمع كان حول العالم.

 

 

نقلا عن الاقتصادية