تأثير الدعم والرسوم والضرائب في الأسعار

13/03/2023 0
د.صالح السلطان

تتدخل الدول بالدعم وبعكسه بالرسوم والضرائب. ولكل تدخل أسبابه. وهنا تطرح أسئلة من قبيل ما تأثير الدعم والرسوم والضرائب في الأسعار؟ هل يخفض الدعم السعر؟ من يتحمل عبء الرسوم والضرائب؟

تسمع أجوبة لا تخلو من أخطاء أو سوء فهم مرده اختلاف في فهم المقصود. وقال أهل المنطق اللفظي وعلماء أصول الفقه بما معناه، إنه يجب فهم المقصود جيدا قبل النقاش، الدعم يرفع الأسعار. وهنا متوقع أن يجر ذلك إلى تعجب. سيقال العكس فالدعم يخفض الأسعار. هنا من المهم توضيح المقصود بالسعر. سعر أو ثمن السلعة المدعومة مكون من جزأين: الجزء الذي تدفعه السلطة العامة دعما، والجزء الباقي من السعر. لذا يطرح سؤال، هل نتكلم عن السعر الجامع للجزأين أم عن السعر المطلوب من المشتري دفعه، بعد استبعاد الدعم؟ الأول المكون من الجزأين يزيد في الأغلب بسبب أن الدعم يزيد من الطلب بقوة فترتفع الأسعار النهائية. ورأينا ذلك واقعا. أما إذا قصد بالسعر الجزء الذي يدفعه المشتري، فهو طبعا ينقص مقارنة بحالة عدم الدعم، لكنه ينقص بقدر أقل من الدعم في الغالب.

ماذا عن تأثير الرسوم والضرائب؟ والمقصود رسوم وضرائب السلع التي تقبل بطبيعتها الاستحداث. والاستحداث يتصف بثلاث صفات بعضها من بعض: الإنتاج والتخزين في مستودع والتلف. أما السلع التي لا تتصف بتلك الصفات كالأراضي، فهي غير داخلة في النقاش هنا.

أثقلت الديون اقتصادات دول العالم بقطاعيه العام والخاص، والتركيز هنا على العام. طرح كثير من المناقشات والمقترحات عن العلاج. وعلى رأس ما يطرح زيادة أو استحداث رسوم وضرائب تزيد الإيرادات العامة، ما يساعد على تخفيف حدة الديون العامة. ويطرح خفض الإنفاق العام. ولعلي مستقبلا أكتب مقارنا بين خفض الإنفاق وزيادة الضرائب، كتب كاتبون وقال قائلون إن الرسوم سيتحملها في الآخر المستهلك أو المستخدم النهائي. هذا الكلام، من ناحية علمية حيادية، غير دقيق.

ابتداء نعرف أن فرض رسوم وضرائب يرفع تكلفة إنتاج السلع والخدمات التي وقع عليها الفرض. وهنا أسئلة تمهيدية. ما تأثيرات ارتفاع التكلفة في أسعار ما فرضت عليها رسوم أو ضرائب؟ في أسعار ما عداها من سلع وخدمات؟ في حجم الإنتاج؟ في الربحية؟ في حجم الاستهلاك؟ في قرارات الناس والمنشآت في الشراء والبيع؟ هل ارتفاع التكلفة يستلزم بالضرورة رفع السعر بالنسبة نفسها؟ هل ارتفاع التكلفة يعني استمرار الإنتاج كما هو؟

أمران مهمان في الإجابة. الأول، علينا ألا ننسى أن الموارد والدخول المتاحة للناس والمنشآت والحكومة ليست مفتوحة، بل لها حدود. والثاني، أساسيات العرض والطلب. وطبعا يتفاوت الناس منتجون ومستهلكون في قوة ومستوى الاستجابة لأساسيات العرض والطلب، بناء على تفاوتهم في خصائص وطبائع كثيرة، كالقناعة ومستوى الغنى أو الفقر والعادات والميول والصبر والظروف المحيطة... إلخ.

ما أهم أساسيات العرض والطلب؟ تنطلق من مبدأ أن الله خلق البشر محبين للمال ومتع الدنيا. وهذا يعني بالنسبة إلى البائع أن ارتفاع الأسعار في الأغلب يغري بزيادة البيع. ويعني بالنسبة إلى المشتري العكس: ارتفاع الأسعار يغري بتقليل الشراء أو الاستهلاك. طبعا الكلام بافتراض أن دخل المشتري لم يتغير. والعكس صحيح. بالنسبة إلى البائع فإن انخفاض الأسعار "مقرونا بانخفاض الربحية" يقلل من حلاوة البيع. ويعني بالنسبة إلى المشتري أن انخفاض الأسعار يغري بزيادة الشراء أو الاستهلاك، بلغة أخرى، العلاقة طردية بين سعر السلع والكمية التي يرغب المنتجون في إنتاجها وبيعها عندما تبقى الأشياء الأخرى على حالها.

لماذا هي كذلك؟

المنتجون يرغبون في الحصول على الربح، ومن ثم فكلما كانت الفرصة في تحقيق ربح أعلى، رغبوا في إنتاج المزيد، والعكس بالعكس: كلما ضعفت الفرصة لتحقيق ربح، رغبوا في إنتاج أقل. والكلام السابق بغض النظر عن مستوى التنافسية في السوق. طبعا، كلما قلت التنافسية زادت الفرصة بتحقيق ربح أعلى من حيث المبدأ.

الكلام السابق مرتبط ارتباطا وثيقا بالتكاليف. ضعف القدرة الشرائية لن يجعل الأسعار تنزل إلى مستويات لا تحقق ربحا للبائعين أو المنتجين. جانب التكاليف المنظورة وغير المنظورة يحول دون انخفاض أسعار سلع كثيرة، حتى لو كانت الممارسات التجارية خالية من الغش وغيرها من طرق غير مشروعة. ولولا ذلك، لكانت مستويات المعيشة للناس في مختلف الدول متشابهة، ما سبق هو خلاصة العلاقة، وإلا فإن لها حيثيات وتفصيلات كثيرة لم أذكرها.

وعلى الطرف الآخر، هناك علاقة عكسية بين الأسعار والكميات المطلوبة من السلع عندما تبقى الأوضاع الأخرى على حالها. شرط بقاء الأوضاع الأخرى على حالها، يعني أنه ممكن أن يرتفع الطلب على سلع، خلال فترة كذا، رغم ارتفاع أسعارها خلال الفترة نفسها، بسبب عامل خارجي، مثل تغير الأذواق، أو الظروف الموسمية مثلا، حركة التفاعل في السوق بين البائعين والمشترين تنتهي في العادة إلى أسعار توازنية يقبل بها الطرفان: البائعون والمشترون. وأساس هذا التوازن أن يقلل كل طرف من تطلعاته وأمانيه. وهذا ما يحدث عند ارتفاع التكاليف بسبب الضرائب والرسوم مثلا.

ما نسبة تقليل الشراء؟ تعتمد على مرونة الطلب عند كل مشتر وعند كل مجتمع على السلع التي ارتفع سعرها. من جهة أخرى، تقليل المشترين من الشراء يجبر البائعين على خفض نسبة أرباحهم أو محاولة خفض تكاليفهم أو خليط من الاثنين. كيف؟ يعتمد من ضمن ما يعتمد على مرونة العرض على السلع التي ارتفعت تكلفتها. وهذا موضوع طويل، رفع التكاليف أو خفضها لهما آثار كثيرة. مثلا بعض المنشآت قد تجد نفسها غير قادرة على التأقلم في الاستمرار، ولهذا تبعات على التوظيف وغير التوظيف، والموضوع طويل.

 

نقلا عن الاقتصادية