القدرة الكافية على المحافظة على الاستقرار المالي

05/12/2022 6
عبد الحميد العمري

تصاعدت أزمات السيولة لدى القطاعات البنكية على مستوى الاقتصادات حول العالم بصورة أشد ضراوة في الأعوام الأخيرة، وعاشت أصعب مراحلها مع تفشي كوفيد - 19 في الربع الأول 2020، التي ألجأت أغلب البنوك المركزية إلى زيادة التيسير الكمي وخفض معدلات الفائدة إلى أدنى مستوياتها التاريخية، كان مما نتج عنها في مراحل زمنية لاحقة، صعود معدلات التضخم في أغلب الاقتصادات إلى أعلى مستوياتها التاريخية خلال أكثر من أربعة عقود زمنية مضت!

وبعد تأخر تجاوز العام وأكثر، انتفضت البنوك المركزية بقيادة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي وبإجراءات متسارعة نحو الرفع المطرد لمعدلات الفائدة، وبدء سياسات التشديد النقدي، ما تسبب في صدمات شديدة للأسواق المالية وأسواق الصرف حول العالم، ولا تزال تلك السياسات ماضية في هذا الطريق، على الرغم من تصريحات البنوك المركزية بأنها ستبدأ التخفيف من وتيرة الرفع بالوتيرة الشديدة نفسها التي اتخذتها منذ منتصف أيار (مايو) الماضي من هذا العام، إلا أن المستويات المرتفعة التي وصلت إليها معدلات الفائدة حتى نهاية الشهر الماضي، تظل الأعلى في منظور الـ15 إلى 20 عاما الماضية.

حملت تلك التغيرات المفاجئة والمتسارعة في الوقت ذاته، صدمات عديدة للاقتصادات والأسواق عموما، وسادت الرؤية الضبابية المنذرة بدخول الاقتصاد العالمي في ركود محتمل قبل منتصف العام المقبل، ورغم تلك المؤشرات السلبية تصر البنوك المركزية بقيادة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على مواصلة المواجهة الحازمة ضد التضخم، وإن تسبب ذلك في الركود المحتمل للاقتصادات، وارتفاع معدلات البطالة، وارتفاع مخاطر تعثر الدول الأقل نموا ذات الديون الخارجية المرتفعة بالدولار، وارتفاع احتمالات إفلاس عديد من البنوك في مختلف دول العالم، التي بدأ بعضها فعليا في أوروبا خلال الأشهر القليلة الماضية، لتضاف تلك التحديات والمخاطر المرتفعة إلى رصيدها المرتفع خلال الفترة الراهنة، التي تشكلت عالميا بعد الأزمة الروسية الأوكرانية وما تبعها من عقوبات غربية على الطرف الروسي، انبعثت آثارها العكسية بدرجة أكبر على الجانب الغربي مقارنة بالطرف المستهدف بتلك العقوبات "روسيا"، ودون إغفال الآثار السلبية في الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية من جراء الصراع الدائر بين الولايات المتحدة والصين، كل تلك المخاطر القائمة خلال الفترة الراهنة من شأنها أن تخلف آثارا عكسية على مختلف نشاطات وقطاعات الاقتصاد العالمي، وعلى رأسه بكل تأكيد القطاعات البنكية "التمويلية".

ذكرت Andrea Enria رئيس مجلس الإشراف في البنك المركزي الأوروبي، في كلمة ألقتها مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، في ندوة أوروبية عن الإشراف المصرفي، "التجربة التاريخية تظهر أيضا أن سياسات خفض التضخم يمكن أن تكون لها عواقب سلبية وخيمة على الميزانيات العمومية للبنوك، يمكن أن تتسبب في تدهور جودة الأصول، كما رأينا في بداية الثمانينيات، عندما تسبب تشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة في انخفاض قيمة عملات أمريكا اللاتينية، وأدى إلى تخلف المكسيك عن التمويل المقوم بالدولار الأمريكي الذي تم الحصول عليه من البنوك الأمريكية.

يمكن لسياسات الحد من التضخم أن تؤدي أيضا إلى تفاقم تعرض البنوك لكل من مخاطر أسعار الفائدة في سجلات البنوك واستراتيجيات إدارة الأصول والخصوم غير الحكيمة. إن أزمة جمعيات الادخار والقروض الأمريكية في الثمانينيات والتسعينيات هي مثال لما يمكن أن يحدث أثناء مواجهة ارتفاع أسعار الفائدة، تمتلك الكيانات المالية في الغالب أصولا ذات معدل فائدة ثابت طويلة الأجل، وتمول نفسها من خلال الودائع التي لا يمكن أن تكون فاعلة، وهي المدارة والمعاد تسعيرها".

يواجه الاقتصاد العالمي خلال الفترة الراهنة مخاطر أعلى مما ذكرته أعلاه رئيس مجلس الإشراف في البنك المركزي الأوروبي، وبتركيز النظر على القطاعات البنكية، فقد تتحول أزماتها الراهنة تحت رماد المؤشرات المحتملة بالركود العالمي قبل منتصف العام المقبل، التي قد لا يتنبه إليها كثير من الأطراف، إلى أزمات شديدة في العام المقبل، خاصة في أوروبا، ثم يلحق بها عديد من القطاعات البنكية في مناطق أخرى من العالم، وهذا بكل تأكيد ما تحاول البنوك المركزية أن تستدركه في وقت مبكر، إلا أن تجربتها الأخيرة، وتعاملها المتأخر مع التضخم، يبعثان شيئا من عدم الارتياح لدرجة استعداداتها وتحوطها لتلك الأزمات البنكية المحتملة.

محليا، مع تسارع معدل نمو الائتمان المحلي وتجاوزه معدل نمو الودائع البنكية، الذي بدأ منذ مطلع 2020، واستمر في التوسع حتى نهاية تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، قامت المصارف المحلية في مواجهة هذه المتغيرات بإصدار سندات وصكوك محلية ودولية، لتعزيز مستويات السيولة لديها، وعمل البنك المركزي السعودي على ضخ السيولة وتعزيز الودائع لديها بصورة مستمرة طوال تلك الفترة، تخللتها فترات قصيرة جدا من الضغوط على السيولة مع استمرار البنوك في ضخ القروض والتسهيلات البنكية، نتج عنه ارتفاع معدلات الفائدة بدرجة أكبر. وقياسا على تجارب سابقة، كتلك التي حدثت بالتزامن مع تفشي كوفيد - 19 وتوقف أغلب نشاطات الاقتصاد، قام البنك المركزي بضخ سيولة تجاوزت في تلك الفترة 161 مليار ريال، ما يؤكد الثقة الكبيرة التي يتمتع بها القطاع البنكي محليا، على الرغم مما قد ينشأ من ضغوط قصيرة الأجل على مستوى السيولة، لما تمتلكه المصارف المحلية من استقرار وكفاءة تتجاوز المؤشرات النظامية، وفقا لبنك التسويات الدولية BIS، أو على مستوى القدرة الكافية لدى البنك المركزي السعودي بالتدخل ودعم سيولتها متى ما اقتضى الأمر، وهو ما قام به نهاية الشهر الماضي بضخ نحو 41 مليار ريال في ودائع تلك المصارف التي احتاجت إلى ذلك.

كل ذلك يؤكد المتانة التي يتمتع بها القطاع التمويلي محليا، وأنه تتوافر لديه القدرة - بمشيئة الله تعالى - على الصمود اليوم ومستقبلا، بالتزامن مع الزيادة المحتملة للمخاطر على عموم القطاعات التمويلية خلال الفترة الراهنة، وفي العام المقبل خصوصا.

 

 

نقلا عن الاقتصادية