هل من مستقبل لتداول نقاط الكربون؟

06/11/2022 0
د. فهد الحويماني

يثير إطلاق السوق الطوعية السعودية لتداول الكربون تساؤلات حول مدى الفائدة من فكرة تداول ما يعرف بشهادات الائتمان الكربوني، أو ما يمكن تسميتها النقاط الكربونية. ما فائدة هذه النقاط الكربونية للبيئة؟ وما فائدتها للمشاركين في السوق؟ وهل من مجال للمؤسسات والأفراد للاستثمار فيها أو المضاربة بها؟

المقصود بالنقاط الكربونية تلك الشهادات الرسمية أو غير الرسمية التي يتم إصدارها في بعض الدول كأدوات للتحكم بحجم الانبعاثات الكربونية للشركات التي لديها صناعات ملوثة للبيئة. في الأسواق الإلزامية هي عبارة عن شهادات لرصد التلوث الذي يقاس بالطن المتري من غازات ثاني أكسيد الكربون، أو غيره من الغازات الدفيئة، أي تلك التي تتسبب في زيادة ظاهرة الاحتباس الحراري. فهي بمنزلة رخص تسمح لحاملها بحد معين من التلوث، وهنا نقصد النقاط الكربونية المتداولة في الأسواق الإلزامية للكربون، التي تمنحها السلطات الحكومية للجهات الملوثة للبيئة. الأسواق الإلزامية للكربون تعمل بأسلوب تحديد السقوف للانبعاثات وإصدار النقاط ثم تداولها في الأسواق.

أكبر سوق لهذا النوع من النقاط هي سوق الاتحاد الأوروبي ETS، التي انطلقت عام 2005 ويستفيد منها أكثر من عشرة آلاف مصنع في أوروبا، تراوح سعر النقطة الواحدة فيها بين 60 إلى 96 دولارا هذا العام، أي أنه بهذا المبلغ يسمح للمشتري بتلويث البيئة بمقدار طن واحد من ثاني أكسيد الكربون زيادة عن الحد المسوح له به. فالجهة التي تشتري نقاط الكربون تقوم بذلك عندما يكون لديها انبعاثات تفوق الحد المسوح به، فتصبح العملية نوعا من الضريبة على الجهة الملوثة. وفي المقابل، البائع للنقاط الكربونية هي الشركات التي لديها فائض من النقاط نتيجة مقدرتها على السيطرة على انبعاثاتها، فتبيع النقاط للجهات التي لديها نقص من هذه النقاط. أحد أهم الشركات المستفيدة من آلية الرخص الكربونية هي شركة تسلا للسيارات الكهربائية بحكم أن إسهامها في تلويث البيئة أقل بكثير من الحد المسوح به، كونها تصنع سيارات كهربائية، وبالفعل حصلت الشركة في آخر خمسة أعوام على أكثر من ستة مليارات دولار من هذه النقاط.

هناك سوق عقود مستقبلية للنقاط الإلزامية في بورصة لندن، يقوم المشاركون من خلالها بالتحوط أو المضاربة على هذه النقاط كعقود مستقبلية، تماما كما يتم تداول عقود النفط. أما السوق التي تم إطلاقها في المملكة الأسبوع الماضي فهي ليست خاصة بالنقاط الإلزامية، على الرغم من أنه لا يوجد ما يمنع تداول النقاط الإلزامية بها، بل هي بالأساس معنية بالنقاط الطوعية، فما النقاط الطوعية؟

بعد نجاح سوق النقاط الإلزامية واتضاح فوائدها في حماية البيئة، ظهرت هناك حاجة لإيجاد أسواق أخرى ليس فقط لتداول أطنان ثاني أكسيد الكربون، بل لتشمل كذلك أي غازات أخرى ضارة بالبيئة، بحيث يمكن للمهتمين بمجال البيئة من أفراد وشركات المشاركة في السوق من خلال الاستثمار في مشاريع بيئية تسهم في خفض الانبعاثات أو التخلص منها.

الفكرة أن هناك شركات استثمارية لديها مشاريع صديقة للبيئة وترغب في الحصول على التمويل اللازم لهذه المشاريع، على سبيل المثال مشاريع متعلقة برفع مستوى الغطاء النباتي في البلاد أو مشاريع للتخلص من الانبعاثات الضارة بحجزها داخليا أو إعادة استخدامها في مجالات تسمح باستخدامها. كيف لهذه الجهات الحصول على المال لتنفيذ تلك المشاريع الصديقة للبيئة؟ أحد الطرق يأتي من خلال حصولها على نقاط كربونية وبيعها في السوق المالية، كالسوق التي تم تأسيسها من قبل صندوق الاستثمارات العامة ومجموعة تداول السعودية.

من سيشتري هذه النقاط؟ ولماذا يشتريها؟

المشترون في السوق الطوعية عبارة عن جهات لديها مسؤوليات اجتماعية أو التزامات حكومية وترغب في تخفيف وطأة التلوث لديها فتشتري النقاط الكربونية من أصحاب المشاريع البيئية، الذين بدورهم يستخدمون الأموال لدعم مشاريعهم. وقد يكون المشترون أفرادا ومؤسسات لديهم إحساس بضرورة المحافظة على البيئة، فتكون مشاركتهم غير هادفة للربح، وقد تكون بهدف الربح من خلال الاستثمار والمضاربة في هذه النقاط. كيف يتم ذلك؟

النقطة الكربونية الواحدة تساوي طن واحد من الغازات الضارة، غالبا ثاني أكسيد الكربون، ويكون سعرها عرضة لقوى العرض والطلب في السوق، ويخضع للتذبذبات السعرية اليومية، تماما كأي وسيلة مالية متداولة. كمية النقاط المتداولة في السوق تعتمد على عدد المشاريع البيئية المطروحة وتعتمد على مدى حاجة الشركات الكبرى لدعم هذه المشاريع، التي تأتي بدوافع ذاتية أو نتيجة ضغوط داخلية أو خارجية. كذلك كمية النقاط تعتمد على حجم النشاط الصناعي في البلاد، فكلما زادت النشطات الصناعية، زادت حدة التلوث وزادت الحاجة لشراء النقاط لتعويض نقص الأرصدة لدى تلك النشاطات. على سبيل، المثال حدثت انخفاضات حادة في أسعار النقاط الكربونية في أوروبا نتيجة الأزمة المالية والركود الاقتصادي عام 2008.

هناك فروقات عديدة بين السوق الإلزامية مثل السوق الأوروبية والسوق الطوعية كتلك التي تم إطلاقها الأسبوع الماضي في المملكة، منها أن النقاط الكربونية الطوعية لا تقبل في الأسواق الإلزامية كونها لا تفي بالاشتراطات التشريعية، ولكن العكس من ذلك ممكن، أي تداول النقاط الإلزامية في السوق الطوعية. كذلك حجم التداولات في السوق الطوعية أقل بكثير من السوق الإلزامية، التي وصل التداول فيها لأكثر من 850 مليار دولار عام 2021، مقابل ملياري دولار فقط للسوق الطوعية. كذلك متوسط سعر النقطة الواحدة أقل بكثير في السوق الطوعية التي ارتفع متوسط سعر نقطة الكربون فيها، كمتوسط عالمي، من 2.5 دولار في 2020 إلى أربعة دولارات في 2021، بينما سعر النقطة الإلزامية في أوروبا يتداول بحدود 70 دولارا.  

مشكلة الأسواق الطوعية عموما أنه لا يوجد تسعير عالمي للنقاط المتداولة فيها بسبب تعدد المشاريع وتنوعها واختلاف مواصفاتها وجودة الرقابة عليها ومدى الالتزام بها. وعلى الرغم من ذلك فهناك جهود من قبل سوق شيكاغو للمشتقات للخروج بمؤشر عالمي خاص بالسوق الطوعية. وبالفعل أطلقت السوق ثلاثة أنواع من العقود المستقبلية العام الماضي، منها عقود النقاط الدولية GEO للانبعاثات التي تتميز في كونها نقاط موثوقة ومعتمدة، وهناك عقود خاصة بالنقاط الكربونية المتعلقة بالطبيعة والغابات، والنوع الثالث هو العقود التكنولوجية، ويقصد بها أي مشاريع بيئية ليست في مجال الانبعاثات الصناعية ولا مجال الطبيعة والغابات، بل في أي من المجالات التقنية أو المالية المكملة.

أخيرا، هذه الأسواق عالية المخاطرة، يمكن المشاركة فيها عن طريق عقود سوق لندن للنقاط الإلزامية الأوروبية، أو من خلال سوق شيكاغو للنقاط الطوعية، أو من خلال الصناديق المتداولة، مثل صندوق KraneShares، الذي يحتفظ بعقود مستقبلية لهذا الغرض. حدث هناك هبوط في أسعار النقاط الكربونية بجميع أشكالها، بنسب تتجاوز ٥٠ في المائة في بعض الحالات خلال هذا العام، وهناك إشكاليات متعلقة بالأسواق الإلزامية في أن أسعارها تحددها الأسقف التي تضعها الجهات المشرعة لكمية الانبعاثات، وليس نتيجة العرض والطلب الطبيعي في الأسواق كما هو من المفترض أن يحدث في الأسواق الطوعية.

 

 

نقلا عن الاقتصادية