خفض التضخم له ثمن

07/02/2022 0
د.صالح السلطان

اتبعت دول العالم سياسات نقدية وسياسات مالية عامة متوسعة خلال العامين الماضيين. سياسات قامت على إحداث نمو قوي في كميات النقود وخفض قوي في معدلات الفائدة أو الربحية. لماذا؟ سعيا لإنعاش الاقتصادات التي تضررت كثيرا من تبعات جائحة كورونا. لكن مساعي الإنعاش تلك لها ثمن. والقاعدة أن لكل سياسة عواقب، أي: ثمنا. من أكبر عواقب تلك السياسات حدوث تضخم بمعدلات مرتفعة خلال العامين الماضيين.

والتضخم بصورة مباشرة ومبسطة، ينتج من مشكلات في العرض أو زيادة كمية النقود المتداولة بما يتجاوز الوضع السابق. زيادة كمية النقود تعني زيادة العرض منها. وحسب قانون العرض والطلب، زيادة العرض تجر إلى انخفاض قيمة الشيء الذي زاد عرضه.

ترتفع الأصوات في العالم حاليا لاتباع سياسات معاكسة للتضخم. وفي هذا قالت قبل أيام كريستالينا جورجييفا؛ المدير العام لصندوق النقد الدولي: إن من السابق لأوانه القول ما إذا كان العالم يواجه فترة تضخم مستدام، لكنها حذرت من أن عدم قدرة الاقتصادات على مواجهة الصدمات في المستقبل قد يؤدي إلى مشكلات كبيرة.

ما المقصود بتضخم مستدام؟ احتمالان: الأول استمرار حدوث ارتفاعات جديدة ملموسة في معدلات التضخم. والثاني ألا يحصل الأول، لكن ما حصل من تضخم في السابق سيبقى. وهذا يعني استبعاد حصول تضخم سلبي، أي انخفاض ملموس في الأسعار.

أستبعد حصول الاحتمال الأول. ذلك أن الدول تسعى حاليا إلى اتباع سياسات معاكسة للتضخم، أي: تحد ارتفاع الأسعار. ولهذه السياسات ثمن. لماذا لا تتبع الدول سياسات تخفض الأسعار؟ لأن الثمن باهظ، بل باهظ جدا. بل مجرد اتباع سياسات تحد ارتفاع الأسعار له ثمن، فكيف باتباع سياسات تخفض الأسعار؟ الثمن أكبر.

على رأس سياسات خفض التضخم توجهان الأول الحد من نمو الإنفاق الحكومي، مثلا، عبر الحد من برامج الدعم المالي لمواجهة كوفيد - 19 خاصة وبرامج الدعم الحكومي عامة، والثاني رفع معدلات الفائدة أو الربحية. رغم أهمية هذه السياسات للحد من ارتفاع الأسعار، لكن لها تأثير سلبي في النمو الاقتصادي وانتعاش الاقتصادات. ولذا فإن المطلوب من صانعي السياسات اتباع سياسات لا تلغي التأثير السلبي، بل تقليله إلى أقل قدر ممكن.

خفض صندوق النقد أواخر الشهر الماضي توقعاته الاقتصادية للولايات المتحدة والصين والاقتصاد العالمي. لماذا الخفض؟ لوجود ضبابية بشأن الجائحة والتضخم واضطراب الإمدادات وتشديد السياسة النقدية، خاصة الأمريكية. وهي عوامل تشكل مزيدا من المخاطر على النمو الاقتصادي العالمي. وهذه الأمور لا تخفى على وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية.

تركز دعوات على تعزيز وترسيخ المالية العامة. لكن التطبيق له درجات ودرجات.

الخطوة الأولى في تعزيز وترسيخ مالية الحكومة ترشيد الإنفاق الحكومي. وتزيد أهمية الترشيد نظرا لأن المديونية العامة عالميا بلغت مستويات مرتفعة جدا. هذا الترشيد دواء، لكنه دواء له آثار جانبية قوية. ومن ثم فهناك احتمال صدمة سلبية تجر معها حالة انكماش اقتصادي.

في إطار الخطوة الأولى، طالب كثيرون دولا مختلفة بتشديد القيود على تصرفات الحكومات في المالية العامة. من أهم أسباب المطالبة بالتشديد جبال الديون السيادية التي يعانيها كثير من دول العالم. ومع جبال الديون مضار وآثار سلبية متنوعة. في الوقت نفسه صاحب ارتفاع الديون ارتفاعا في العائدات. لماذا؟ لإغراء المستثمرين، فهم يطلبون عوائد أعلى لتعويضهم عن عوامل أخرى مثل مخاطر إضافية.

هل نشهد خلال الشهور المقبلة وعلى المستقبل القريب توقف نمو ماليات الدول ونمو العرض النقدي؟ الاحتمال كبير بحصول ذلك، خاصة في أمريكا ومنطقة اليورو. وهذا يبعد الاقتصاد العالمي عن الوقوع في موجة تضخم مرتفع خلال الشهور المقبلة والمستقبل القريب.

نمو العرض النقدي يرفع الأسعار إذا تجاوز نمو العرض النقدي النشاط الإنتاجي؛ ما يوجد سيولة تتداولها الأيدي فترفع الأسعار. ترتفع الأسعار حتى لو لم يزد العرض النقدي إذا انخفض النشاط الإنتاجي. ومن ثم فهناك علاقة بين الإنتاجية في الدولة ومستوى الأسعار. وانخفاض الأسعار مشكلة أكثر في الدول ذات الإنتاجية الأقل.

عند دخول الأسواق في موجة انخفاض الأسعار، فإن الناس يحجمون أو يقللون إنفاقهم أملا في انخفاضات سعرية أكثر لاحقا. لكن إحجام الناس عن الإنفاق يؤثر سلبا في مبيعات الشركات، وانخفاض مبيعات الشركات يؤثر سلبا في أسهمها.

هل يعمل مبدأ عالم الاقتصاد ريكاردو القائل: إن خفض الإنفاق الحكومي يقابله تلقائيا زيادة الإنفاق الخاص في الدول الصناعية على الأقل؟ من الممكن أن يكون ذلك في ظروف عادية، وليس في ظروف أوجدتها أزمة؛ كأزمة كورونا. عولجت هذه الأزمة بالتوسع في الإنفاق الحكومي خلال العامين الماضيين، أي: إن المال العام استخدم علاجا لانتشال القطاع الخاص من أزمته.

يضغط التضخم تجاه تحفيز الأعمال، ورفع الأجور. لكن من الملاحظ أن ارتفاع الأجور يقل عن ارتفاع الأسعار. وعكس التضخم الانكماش deflation. وقد حدث في العادة مع انكماش النشاط الاقتصادي وضعف دورة الأعمال. ومع هذا الضعف تزيد العطالة.

 

نقلا عن الاقتصادية