ازدهار نموذج الاشتراك بدلا من الشراء

16/01/2022 1
د. فهد الحويماني

منذ أعوام عدة، وهناك توجه قوي لدى الشركات لتبني نموذج الاشتراك، بدلا من الشراء، وذلك نتيجة الفوائد العظيمة لهذا النموذج التجاري للجهات التي تتبناه، مقارنة بالأساليب التقليدية في البيع لمرة واحدة، إلى جانب فائدة ذلك للعملاء. ورغم ذلك هناك مبالغة في انتهاج هذا الأسلوب من قبل كل من هب ودب، فأصبح من الصعب الحصول على كثير من الخدمات الرقمية دون التزام العميل باشتراك دوري، شهري أو سنوي في الأغلب.

كيف يعمل هذا النموذج؟ وما فائدته للشركات والمستهلكين؟ وإلى أين يتجه؟

أسلوب الاشتراك موجود ومعروف منذ عشرات الأعوام، بداية بالاشتراك بتوصيل الحليب للمنازل في بريطانيا منذ أكثر من 150 عاما، إلى الاشتراك في الصحف والمجلات الذي كان معروفا منذ القدم. وبعد انتشار الإنترنت في أوائل التسعينيات الميلادية بدأت الاشتراكات التقليدية في الصحف والمجلات بالتناقص، ومثلها كذلك الاشتراك في خدمات التلفزيون والأفلام، فكان لا بد لهذه الجهات من البحث عن أساليب جديدة لاستعادة نموذج الاشتراك في العالم الرقمي الجديد.

ورغم كون مؤسسات الصحف والمجلات من رواد نموذج الاشتراك في العالم، إلا أنها واجهت صعوبات كبيرة في تطبيق النموذج مقابل المحتوى الرقمي الذي يقدمونه. وفي الوقت نفسه، ظهرت هناك شركات تقليدية استطاعت تطبيق نموذج الاشتراك ونجحت بشكل مذهل في ذلك، بعضها ظهر بنماذج ابتكارية جديدة لجذب العملاء والاحتفاظ بهم لأطول فترة ممكنة. بحسب شركة الاستشارات ماكينزي، نما نموذج الاشتراك 100 في المائة في الخمسة أعوام ما قبل 2019، ومن الواضح أن هذا النموذج بدأ بالانتشار بشكل سريع في العامين الماضيين، حيث تشير شركة الأبحاث ويست مانرو إلى أن الأمريكيين يصرفون في المتوسط نحو 273 دولارا شهريا على خدمات ومنتجات تتم بأسلوب الاشتراك.

نموذج الاشتراك يرتكز على فكرة تكرار الشراء، بدلا من ترك العميل يشتري مرة واحدة ومن ثم قد يعود وقد لا يعود للشراء مرة أخرى. وميزة بقاء العميل لدى المنشأة أنه يسهم في خفض تكلفة استقطاب العميل على المنشأة، وبذلك تستطيع المنشأة توجيه جهودها إلى كسب ثقة العميل وتحسين الخدمة بدلا من اللهث الدائم خلف استقطاب العملاء. كذلك تستفيد المنشأة من أسلوب الاشتراك في كونه يدر تدفقات نقدية مستمرة ومضمونة إلى حد ما، متى تم تطبيق النموذج بشكل صحيح.

ستجد أسلوب الاشتراك في كل مكان هذه الأيام، إلى درجة مبالغ بها وخاطئة في كثير من الأحيان، لكن يبدو أن ثورة نموذج الاشتراك أقوى من أن يقاومها المستهلك. ستجد هذه الأيام أن عليك الاشتراك في معظم البرامج الحاسوبية التي قد تحتاج إليها في عملك أو حياتك اليومية وكانت في السابق إما مجانية أو أنها تتم بالشراء المباشر لمرة واحدة. إن أردت برنامجا للحماية من فيروسات الحاسب فغالبا ستجد من يطلب منك الاشتراك بتزويدهم برقم بطاقتك الائتمانية ليتم خصم مبلغ الاشتراك الدوري منها. وكذلك الحال إن أردت استخدام أي من برامج الإنتاجية المعروفة التي تستخدم في تحرير النصوص أو إجراء العمليات المحاسبية الشخصية، أو غيرها من المنتجات الرقمية.

بدأ معظم الصحف والمجلات العالمية المشهورة بتبني أسلوب اشتراك العميل ليتمكن من الاستفادة مما لديهم من معلومات وأخبار على مواقعهم على الإنترنت، حيث يتم منح القارئ حق قراءة عدد محدود من المقالات ومن ثم عليه الاشتراك الدوري. كذلك ظهرت هناك جهات خارج نطاق المحتويات الرقمية والبرمجيات ممن وجد ضالته في هذا الأسلوب، فهناك نماذج للاشتراك في خدمات توصيل أغذية منتقاة وخضار وفواكه ووجبات يومية وهدايا وصناديق مفاجآت، إلى خدمة استئجار السيارة بدلا من شرائها، وغيرها من الأساليب التي تراهن على فكرة رئيسة وهي أن العميل سيشترك وسيستمر في تجديد الاشتراك بوعي أو دون وعي أو نتيجة تقاعسه عن إلغاء الاشتراك.

مسألة إلغاء الاشتراك مهمة جدا للمنشآت التي تتبنى أسلوب الاشتراك، حيث يجد العميل صعوبة بالغة في إلغاء الاشتراك، هذا الأسلوب الشرس في الاحتفاظ بالعميل الذي يمارس، مع الأسف، من قبل بعض المنشآت الكبرى المعروفة، يعتمد على استراتيجية تسهيل عملية الاشتراك وتصعيب إلغائه. هناك صحيفة عالمية مشهورة كتبت بشكل واضح وصريح أن الإلغاء لا يتم عن طريق الموقع، بل بالاتصال على هاتف الصحيفة في الخارج أثناء أوقات العمل والتقدم بطلب إلغاء الاشتراك. وفكرتهم هنا أن العميل سيفضل ترك الاشتراك يتجدد من عام للآخر، ولا سيما أن التكلفة ليست كبيرة جدا، بدلا من إجراء مكالمات هاتفية وإضاعة وقته في شرح أسباب رغبته في إلغاء الاشتراك، ورغم ذلك بدأ بعض شركات البرمجيات الكبرى المعروفة بإرسال رسائل تذكيرية للعميل قبل موعد تأكيد الاشتراك وإتاحة الفرصة أمامه لإلغاء الاشتراك.

السبب الرئيس في انتشار نموذج الاشتراك يعود إلى عوامل عدة، منها: التطورات الكبيرة في أنظمة المدفوعات الإلكترونية، وسهولة الدفع أونلاين، ويعود كذلك لانتشار الخدمات الإلكترونية وسهولة استئجار المنتجات الرقمية وجاذبية هذا الأسلوب للعميل الذي يحصل على تحديثات مستمرة للمنتج وحماية أمنية وغيرها. كما أن الإنترنت أتاحت لتلك الجهات إمكانية ضبط عملية الوصول إلى المنتج مقابل وجود اشتراك قائم يمكن التحقق منه بسهولة عن طريق الإنترنت.

من الواضح أن أسلوب الاشتراك سيستمر في المستقبل المنظور الذي رغم جاذبيته وجدواه المالية الكبيرة للجهات التي تأخذ به، إلا أن من الصعب تطبيقه والاستمرار بالعمل به من قبل جميع الجهات. وجد بعض الجهات التي مارست هذا الأسلوب في توصيل المنتجات بشكل دوري للعميل أن العميل قد يمل من المنتج وتزداد توقعاته فيما يخص جودة الخدمة والمنتج، وبالتالي يتوقف عن الاشتراك. ولا تزال الصحف والمجلات العربية تعاني قبول القراء لأسلوب الاشتراك وتكتفي بإيرادات الإعلانات، ورغم ذلك فقد يتغير هذا الواقع عطفا على التجارب الدولية والتطورات الرقمية على الأصعدة المحلية.

 

نقلا عن الاقتصادية