تحليل أسواق العقار ليس نشاطا عقاريا

08/03/2021 0
عبد الحميد العمري

تخيل أن كاتبا أكاديميا أو مختصا، يتوافر لديه كل المؤهلات العلمية والخبرات العملية اللازمة، سيكون لزاما عليه في حال إعداده مقالا أو تقريرا اقتصاديا أو ماليا لنشره في إحدى الصحف، أو في حال مشاركته في أحد البرامج المختصة التلفزيونية، وفي حال أن هذا النشاط الإعلامي والاقتصادي والمالي المبذول في ذلك المقال أو التقرير أو البرنامج التلفزيوني، سيتطرق بطبيعته إلى جوانب واسعة اقتصادية ومالية واستثمارية وغيرها من المجالات ذات العلاقة، وعليه الحصول على عشرات التراخيص من الأجهزة التنفيذية القائمة على مختلف تلك المجالات والقطاعات، فإذا كان نشاطه الإعلامي ذلك، سيتطرق إلى مؤشرات الأداء الاقتصادي والسياستين المالية والنقدية والتضخم والبطالة، وبيئة الاستثمار المحلية بما فيها السوق المالية والعقارية وغيرها من الأسواق المحلية، فإن عليه ليتمكن من الوفاء بذلك النشاط إعلاميا أن يتقدم بطلب الترخيص لأجل هذا الأمر، إلى ما قد يراوح عدده بين عشرة و15 جهازا تنفيذيا حكوميا، وقد يزيد العدد على ذلك ليصل إلى أضعافه. إنه مجرد تخيل سيذهب بنا جميعا إلى نتائج عكسية لا تمت للواقع بأي صلة، وتعني أيضا أنه لا توجد سياسة إعلامية معمول بها منذ عقود طويلة، ولا توجد أنظمة ولوائح تنظم وتشرف وتراقب وتراجع كل ما يجري من نشاطات في عالم الإعلام المرئي والمسموع، وهذا كله بالطبع غير صحيح، فلدينا سياسة إعلامية مقررة منذ أكثر من أربعة عقود، صدرت بقرار مجلس الوزراء رقم 169 بتاريخ 20 شوال 1402هـ، ونظام الإعلام المرئي والمسموع الصادر بمرسوم ملكي رقم (م/ 33) تاريخ 25 ربيع الأول 1439هـ، بالموافقة على قرار مجلس الوزراء رقم (170) تاريخ 24 ربيع الأول 1439هـ.

يأتي هذا الحديث لإبداء التعليق على مشروع معايير ترخيص الاستشارات العقارية وتحليل أسواق العقار، المقترح من الهيئة العامة للعقار، وتم نشره على منصة استطلاع التابعة للمركز الوطني للتنافسية، وتستهدف استطلاع آراء العموم والقطاع الخاص والجهات الحكومية بشأن الأنظمة أو اللوائح وما في حكمها الصادرة عن الجهات الحكومية والمتعلقة بالبيئة الاقتصادية والتنموية، وتمكين الأفراد والقطاع الخاص والجهات الحكومية من إبداء المرئيات والملحوظات على المشاريع المقترحة قبل إقرارها، وهو ما سيسهم في توفير بيئة استثمارية آمنة ومستقرة.

واستندت الهيئة العامة للعقار في مشروع المعايير الخاصة بالاستشارات العقارية وتحليل أسواق العقار، إلى ما نصت عليه المادة الثالثة من تنظيم الهيئة العامة للعقار في الفقرة (3) على الترخيص للأنشطة العقارية، والإشراف عليها، وفي الفقرة (4) على قيام الهيئة بوضع المعايير الخاصة بالأنشطة العقارية، وتضمن المشروع: منع مزاولة النشاط دون الحصول على ترخيص، واشتراطات الترخيص لمزاولة النشاط وحالات الإلغاء له، وواجبات ومحظورات مزاولة النشاط، والرقابة على الالتزام بأحكام المعايير.

أن تتولى المعايير تنظيم نشاط الاستشارات العقارية، فهذا أمر واجب ومطلوب من الهيئة أن توفي بواجباتها تجاهه، وهو النطاق من العمل الذي ينشأ بين مستشار عقاري مرخص من طرف، ومن طرف آخر العميل ممثلا في الشخص ذي الصفة الطبيعية أو الاعتبارية، الذي يطلب من المستشار العقاري تقديم الاستشارة العقارية بأي وسيلة كانت.

في حين كان أمرا لافتا، وخطوة سابقة لم يسبق لأي جهة تنفيذية القيام بها، وهي أن تضم تلك المعايير المقترحة إلى بنودها نشاط تحليل الأسواق العقارية في مختلف وسائل الإعلام التي هي في الأصل تخضع لسياسات وأنظمة إعلامية أقوى وأوثق، ولا تعاني أي قصور من أي نوع كان، وتلزم كل ممارس للنشاط الإعلامي بضوابط أعلى وأقوى من كل ما ورد في تلك المعايير المقترحة من الهيئة العامة للعقار، كما أن سياسات وأنظمة الإعلام تخضع أيضا بحال وقوع أي مخالفات إعلامية من أي نوع كان لعقوبات وجزاءات صارمة.

يجب التأكيد أن تلك المعايير المقترحة مهمة جدا لنشاط الاستشارات العقارية، كونها أحد نشاطات العقار التي شملها التنظيم، وأن أقصى المعايير المقترحة يقف عند حدود نشاط تقديم الاستشارات العقارية، في الوقت ذاته لا يمكن القول: إن تحليل أسواق العقار وتناوله إعلاميا أحد تلك النشاطات العقارية كونه أولا، لا يقدم استشارة أو توصية لأي طرف، ولا يعلم على أي أساس اعتبرت الهيئة العامة للعقار أن النشاط الإعلامي المختص في الشأن العقاري يقدم استشارة أو توصية. ثانيا، لا يتجاوز تحليل أسواق العقار كونه تحليلا اقتصاديا مختصا، شأنه شأن بقية التحليلات الاقتصادية والمالية العديدة والمختلفة - أسواق مال، استثمار، مالية عامة، سياسة نقدية... إلخ - التي يتولى جميع وسائل الإعلام المختلفة تقديمها، ولا يقوم على تنفيذها إلا أشخاص يتمتعون بالمؤهلات الأكاديمية والخبرات والتأهيل اللازم، وهي الاشتراطات الأعلى من الاشتراطات التي وردت في المعايير المقترحة، وهي أيضا خاضعة - كما سيأتي ذكره - لسياسة وأنظمة تتمتع بالكفاءة والقدرة اللازمة، ولا تعاني أي قصور، وظن مقترح هذه المعايير أنها ستعوضه،

كان من أهم ما ورد ضمن السياسة الإعلامية في المملكة، ما نصت عليه مادتها الـ 18: يقوم الإعلام السعودي بنصيبه في دعم النهضة العلمية والثقافية بالمملكة العربية السعودية، ومنها: تشجيع الباحثين والعلماء والمفكرين بكل وسيلة ممكنة، بما في ذلك الإسهام في نشر إنتاجهم، وإفساح المجال أمامهم لعرض وجوه نشاطهم على الملأ. وفي مادتها الـ 26: حرية التعبير في وسائل الإعلام السعودي مكفولة ضمن الأهداف والقيم الإسلامية والوطنية التي يتوخاها الإعلام السعودي. وفي مادتها الـ 29: يشجع الإعلام السعودي إنتاج المواد الإعلامية المحلية الجيدة وفق السياسة الإعلامية. وأخيرا في مادتها الـ 30: تلتزم جميع المؤسسات الإعلامية في المملكة العربية السعودية بهذه السياسة وبما يصدر لتنفيذها من لوائح وأنظمة.

أما على نظام الإعلام المرئي والمسموع، فقد نص في مادته الثانية: يهدف النظام إلى تنظيم نشاط الإعلام المرئي والمسموع داخل المملكة، وتطويره، والعمل على توفير البيئة الاستثمارية الملائمة له، والعمل على أن يكون محتواه متسقا والسياسة الإعلامية للمملكة. وفي مادته الرابعة: يخضع العاملون في مجال الإعلام المرئي والمسموع لأحكام النظام ولائحته، ولضوابط أداء المهنة للعاملين في هذا المجال، التي تضعها الهيئة. ونص في مادته الخامسة على ما يجب على كل من يمارس نشاطا أو مهنة في مجال الإعلام المرئي والمسموع التقيد بضوابط المحتوى الإعلامي، محددا 17 ضابطا مهما، ومنها ما ورد في البند الـ 11 من تلك الضوابط: احترام حرية التعبير والرأي، بما لا يتعارض مع الأنظمة والضوابط ذات الصلة، وما يقضي به النظام.

ختاما، سيكون عمليا جدا أن تتوقف حدود تلك المعايير المقترحة عند نشاط الاستشارات العقارية فقط، وهو الأمر المطلوب والإيجابي جدا في هذا الشأن، وألا تحمل نفسها ما لا يحتمل، وأن تمنح الهيئة العامة للعقار الثقة اللازمة في السياسة الإعلامية والأنظمة واللوائح المعمول بها، مؤكدا أن المعايير المقترحة التي ذكرت في مادتها العاشرة فقرة (4)، بإحالة ممارس تحليل أسواق العقار دون الحصول على ترخيص إلى الجهات المختصة، أن الجهات المختصة ملتزمة بالسياسة الإعلامية والأنظمة القائمة الآن، وهو الأمر الأوسع نطاقا من حدود المعايير المقترحة.

 

نقلا عن الاقتصادية