التصدي للإعلانات المضللة لمشاهير وسائل التواصل

30/09/2020 0
عبد الحميد العمري

الإجابة المختصرة جدا عن سؤال: متى يكون الإعلان "مضللا"؟ حينما يختلف واقع أو حقيقة المعلن عن مضمون الإعلان، وإيهام المجتمع بوجود ميزة أو منجز أو منفعة هي في الأصل غير موجودة في موضوع الإعلان، أو بتضخيمها بصورة مبالغ فيها أكبر مما هي عليه بحال وجدت، أو حينما يتسبب الإعلان في ارتفاع القيمة السوقية للمعلن عن قيمته الحقيقية. كما يلاحظ القارئ هنا أن إسقاط هذه الإجابة المختصرة عن المواد الإعلانية عموما، وعبر مختلف الوسائل، قد يعني إلى حد بعيد جدا أن جميع الإعلانات التسويقية تعد "مضللة"، قياسا على التجارب الكثيرة للمستهلكين مع السلع والمنتجات والخدمات التي قاموا بشرائها نتيجة تأثرهم بالإعلانات التي دفعتهم إلى الشراء، وهذا - بالطبع - حكم غير دقيق، وفيه كثير من التجني على السلع والمنتجات والخدمات، التي بذل مقدموها ومنتجوها كثيرا من التكاليف والجهد والعناية اللازمة، وما سبب ذلك إلا للآثار التشويهية التي نتجت عن الإعلانات المضللة، واتساع رقعتها على أغلب سوق الإعلان، ما أدى إلى إحداث تشتيت كبير في رؤية وذهنية المستهلك، وتسببه في تدني ثقة شرائح واسعة من المستهلكين في مضامين تلك الإعلانات، وإضعاف قدرته على التمييز بين الصالح والطالح منها.

إذا كان الأمر بهذه البساطة، لماذا إذن تصاعد تأثير تلك الإعلانات عموما عبر مختلف وسائل الإعلام، وتحديدا لماذا اكتسبت إعلانات مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة هذه الجاذبية الضخمة من قبل المعلنين، وفي الوقت ذاته اكتسبت قوة تسويقية أكبر حتى من تلك التي تظهر عبر وسائل الإعلام التقليدية؟!

إن من النتائج "السلبية" الطويلة الأجل لأغلب الإعلانات التجارية، التي وقع تأثيرها العميق في سلوكيات كثير من المستهلكين جيلا بعد جيل، أنها أحدثت تحولا جذريا في سلوك المستهلكين، تحول كثير من الأفراد المستهلكين معه عبر الأجيال منهم، من مستهلكين يبحثون عن احتياجاتهم الحقيقية من الأسواق، إلى أشبه ما يكون "بالمستهلكين المبرمجين"، الممكن إلى حد بعيد اجتذابهم بجهود إعلانية وتسويقية إلى شراء ما لا يحتاجون إليه في الأصل! من سلع أو منتجات أو خدمات، ووصل التأثير الشديد لتلك "البرمجة الاستهلاكية" في سلوك كثير من الأفراد، إلى الدفع به إلى شراء ما قد يتجاوز حدود قدرته المالية، ما قد يضطره للاقتراض بأي طريقة مهما كانت، وبأي تكلفة مهما بلغ ارتفاعها، لأجل شراء تلك السلعة أو المنتج أو الخدمة التي سحرت لبه، وسرقت عقله. الآن، نظر مليا إلى سلوكك الاستهلاكي، وإلى من حولك من البشر على اختلاف مشاربهم وأعمارهم ومستويات دخلهم وقدرتهم المالية، ودقق النظر إلى أبعد حد يمكنك الوصول إليه، وكن قاسيا مع نفسك قبل أن تقسو على الآخرين في هذا الشأن! سنجد أننا جميعا في الأغلب وقعنا في هذه الورطة الكأداء من سلوكيات الاستهلاك غير الرشيد أو غير الواعي. هل الملام الأول هنا نحن مجتمع المستهلكين؟ أم المعلنين سلعهم ومنتجاتهم وخدماتهم؟ أم أولئك الذين ابتكروا الإعلانات وروجوها في الفضاء الإعلاني عبر مختلف منصاته؟.

الإجابة الفضفاضة، أن الجميع مسؤول ويتحمل جزءا من اللوم.. إنما الإجابة الأكثر تحملا للمسؤولية، والأكثر ألما، أننا نحن المستهلكين المسؤول الأول، والملام الأول قبل أي طرف آخر من الأطراف، وكيف لمن أصبح "مبرمجا" استهلاكيا، وقد يكون وصل إلى حالة مستعصية من الإدمان الاستهلاكي، أن يكتشف خطأ مكلفا ماديا وفادحا إلى هذا الحد في سلوكه الاستهلاكي من تلقاء نفسه؟ أو بعد تبرمج سلوكه ذلك على هذا النمط منذ نعومة أظفاره؟.

إننا بحاجة إلى ما يشبه المعجزة الأقرب إلى المستحيل، للخروج من ورطة استهلاكية كهذه، عمت جميع أفراد ومجتمعات العالم المعاصر، باستثناء بقع صغيرة جدا من المعمورة لم تصل إليها قنوات الإعلام والتواصل الحديثة، التي ستجد البشر فيها لم تصبهم من قريب أو بعيد أي من الآثار الإيجابية أو السلبية لمظاهر الحياة المتمدنة، ومنها بكل تأكيد السلوك الاستهلاكي غير الرشيد الذي نتحدث عنه هنا.

لم أبتعد عن عنوان المقال "التصدي للإعلانات المضللة لمشاهير وسائل التواصل"، بل إن ما تقدم كان لا بد أن يدون لفهم ما نحن في مواجهته، وأن الخلل الاستهلاكي لدينا في الأصل قد بدأ في مراحل سابقة، وأن ما تضج به حواراتنا ونقاشاتنا الجدلية، والمستمرة بصورة لم ولن تهدأ أبدا حول الإعلانات المضللة لمشاهير تلك الوسائل، لو لم تتوافر لها البيئة الحاضنة لجراثيمها - إن صحت العبارة - لما رأيت لها سيقانا ولا أغصانا ولا ورقا، وإننا في مواجهة تحد حياتي سبقه ما سبقه من ممهدات، ويعني ذلك أيضا أننا سائرون إلى تحديات حياتية في المستقبل أكثر تعقيدا، ستنتقل بنا والأجيال القادمة دون أي شعور منا إلى أنماط من الحياة وسلوكيات الاستهلاك، تفوق آثارها العكسية كافة ما يشكو الجميع منه في وقتنا الراهن، هذا على افتراض عدم نجاحنا في التصدي قدر الإمكان لما نواجهه اليوم من تحديات. بالتأكيد، يعد ابتكار الأنظمة والقوانين التي تستهدف تنظيم سوق الإعلان عموما، وتحديدا فضاء إعلانات مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، والعمل الدؤوب على ضبطها وتوجيهها وتقنينها، أمرا لا بد من القيام به، وهو ما تقع مسؤوليته على الأجهزة الحكومية التنفيذية.

وضرورة أن تتجاوب معه منشآت القطاع الخاص دون استثناء. إنما الأهم بدرجة أكبر من ذلك، أن يبادر أفراد المجتمع بكل ما يستطيعون بمراجعة سلوكياتهم الاستهلاكية، ولن يتحقق ذلك بنجاح ملموس في الأجل الطويل، إلا بمبادرة الكيانات المجتمعية غير الربحية من جمعيات مهنية على اختلاف مشاربها، وبتعاون البرامج الأكثر مشاهدة عبر مختلف وسائل الإعلام، بالضخ المستمر والمتنوع للتوعية الاستهلاكية الرشيدة، وبتعاون واسع من مختلف مؤسسات قطاع التعليم والتربية، والتركيز في تلك الجهود التوعوية كلها على الأجيال الجديدة، وهذا ما قد يراه البعض مبالغة في الجهود المقترحة للتصدي لهذا الأمر بعينه، وأرد قائلا بكل اختصار، إنها الجهود المقترحة والمأمولة لأجل انتشالنا مما وقعنا فيه من بيئة حاضنة لسلوكيات استهلاكية وحياتية غير سوية، تسبب في وجود جزء كبير منها الحياة المتمدنة، أسهمت مجتمعة في وجود كثير من المظاهر الحياتية ذات الآثار السلبية ماديا وصحيا، ومن تلك الآثار أو المظاهر - على سبيل المثال لا الحصر - ما يتحدث عنه هذا المقال، وأن من الضرورة بمكان إيلاء جميع ما أتت به الحياة المتمدنة من سلبيات حياتية، الأهمية والعناية التي تستهدف إضعافها إلى أدنى قدر من تأثيراتها السلبية في حياتنا، وفي الوقت ذاته تشجيع وتحفيز ونشر ما حملته إلينا تلك الحياة من ابتكارات إيجابية معلومة لدى الجميع.

 

نقلا عن الاقتصادية