آثار «كوفيد ـ 19» على التحول في قطاع الطاقة

04/08/2020 0
وليد خدوري

ما هي الآثار الحالية للجائحة المستمرة؟ ما هي الآثار المستقبلية على التحول في قطاع الطاقة المترتبة على نشوب جائحة «كوفيد - 19»؟ هذه بعض الأسئلة التي ناقشها منتدى في «معهد أكسفورد لدراسات الطاقة». برزت اهتمامات مشتركة رئيسية في الدراسات:

- العالم لا يزال في خضم الجائحة دون معرفة توقيت وطريقة التخلص منها.

- من غير المعروف كيف سيكون رد فعل الحكومات والمستهلك في عصر ما بعد «كوفيد - 19».

- هناك تساؤلات حول الأولويات والتشنجات التي ستطرأ ما بين الأمور القصيرة المدى (الضغوط المالية) والخطط الاستثمارية الطويلة المدى لإعادة إحياء الاقتصاد والتأقلم لعالم جديد ما بعد «كوفيد - 19».

تباينت استنتاجات الأبحاث حول آثار «كوفيد - 19» على التحول المتوقع في قطاع الطاقة، حيث الانتقال (من عصر الوقود الأحفوري - النفط والغاز والفحم) إلى عصر الطاقة المتجددة، (الشمسية والرياح والهيدروجين)، حيث تعددت وجهات النظر ما بين الإسراع أو التباطؤ في الانتقال إلى عصر طاقة جديد، ولم يتوقع البعض سوى آثار هامشية ليست ذات شأن كبير في تغيير مجال الطاقة الحالي.

لكن رغم هذه التباينات، كان هناك اتفاق مشترك لمعظم الباحثين بأن قطاع الطاقة، كان في كل الأحوال، في طريقه للتحول والتغيير، حتى قبل «كوفيد - 19» وأن سياسات التخلص من الجائحة سيرسم ويقرر الطريق لتحول سريع أو بطيء للتحول إلى نظم طاقة جديدة. وسنحاول أن نستعرض هنا بسرعة بعض الاستنتاجات:

- إن الدروس المستقاة من التجربة المتوفرة حتى الآن تدل على ضرورة إلقاء نظرة مشتركة وواسعة في نفس الوقت على أمور عالمية أساسية عدة، بالذات في عصر العولمة الحالي. إذ إن أحدها قد يكون معرضا لآثار الضغط عليه أكثر من غيره. وفي وضعنا الحالي، فإن الأمر الأكثر عرضة للتهميش هو العولمة التجارية. فقد تخطت هذه العولمة ذروتها. وستؤثر ضغوط «كوفيد - 19» سلبيا عليها، مما قد يؤدي إلى تفجيرها. لكن نجد في نفس الوقت، أن «كوفيد - 19» قد ساعد على تمتين العلاقات ما بين الدول. وهذا هو الأمر، مثلا، في مجموعة دول السوق الأوروبية المشتركة. إذ ساعد برنامج المساعدات المالية المقترح من قبل الدول الأوروبية الكبرى (وسيلة تمويل الدين المشترك) على تلافي كاهل الديون الباهظة المترتبة على بعض دول السوق فقط التي تضررت بشكل حاد من «كوفيد - 19» (إيطاليا وإسبانيا). السؤال: هل سيساعد هذا البرنامج المالي في الإسراع بالاستثمار في الطاقات المتجددة الخضراء؟ هذا سيعتمد على نوعية أولوية الاستثمارات، وما هي أهدافها الملحة.

- هناك الدعوة لصالح التوصل إلى عقد اجتماعي جديد لشراكة ما بين الحكومات والمجتمع المدني والقطاع التجاري للعمل سوية لبناء اقتصاد جديد بعد «كوفيد - 19». وهذا العقد يأخذ بنظر الاعتبار مصالح ومطالب الأطراف الثلاثة، لتفادي الشوائب في النظام الحالي. تكمن فحوى اقتراحات أصحاب الدعوة هذه إلى تبني سياسة «خضراء» وصديقة للبيئة والمجتمع في تعمير دور السكن الجديدة وتشييد محطات للكهرباء لتغذيتها بالطاقات المتجددة والتسريع في تقليص استعمال المنتجات البترولية في وسائل المواصلات.

- أشار البعض إلى أن هناك حقيقة لا يمكن تفاديها. فهناك آثار للجائحة على البيئة وعلى الاقتصاد ذات العلاقة بالطاقة. لذا، لا مفر من التخطيط لوضع طاقوي وبيئي حديث عند إعادة إحياء القطاعات الاقتصادية المتضررة، وسيتوجب في ظل المعطيات المتوفرة، الأخذ بالاعتبار تبني حوافز اقتصادية ضخمة للتوصل إلى حلول مستدامة لحل المشاكل التي خلفها «كوفيد - 19» مع الأخذ بنظر الاعتبار معالجة المشاكل الاقتصادية القصيرة المدى التي نشأت بسبب «كوفيد - 19». هذا، بينما يتوجب كذلك أن تحقق السياسات الاستثمارية الأهداف الطويلة المدى الآتية: مكافحة الفقر والبطالة، والاستثمار في قطاعات ومناطق جغرافية ذات إمكانات اقتصادية موعودة. إن الهدف هنا، لا ينحصر فقط بالبيئة، بل يأخذ بنظر الاعتبار أيضا عوامل اقتصادية - اجتماعية مهمة، مثل الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية المتوفرة، القضاء على الفقر والبطالة وتشجيع التعاون الاقتصادي الدولي وتحفيز المواطنين على العمل الدؤوب والإبداع.

- تخوف البعض من الآثار السلبية لـ«كوفيد - 19» على التعاون الاقتصادي الدولي، والتأثير السلبي هذا على عملية تحول قطاع الطاقة، نظرا لأهمية العولمة في تبادل الخبرات العلمية ورؤوس الأموال الضخمة الضرورية في هذا المجال، ناهيك عن دور التجارة الدولية في تسويق سلع الطاقات المتجددة. من جهة أخرى، لفت البحاثة إلى دور التواصل الإلكتروني الذي ساعد المنكفئين في منازلهم أثناء الجائحة على العمل والدراسة من مساكنهم بدلا من الانتقال يوميا إلى مقرات أعمالهم والمراكز العلمية. وإن هذه الظاهرة، في حال استمرارها بعد الجائحة، ممكن أن تؤدي إلى تقليص استعمال السيارات واستهلاك الوقود، مما قد يحفز مجموعات كبيرة من السكان للاستغناء عن سياراتهم أو تقليص استعمالها، على الأقل، والعمل من بيوتهم، وهذه الظاهرة لها إيجابياتها البيئية نظرا لتقليصها الانبعاثات المضرة. كما أن الاتصال عن طريق «زووم» سيقلص الحاجة لعقد الندوات والمؤتمرات المباشرة واستبدالها بواسطة الندوات الإلكترونية، مما سيعني تقليص السفر جوا أو برا.

- وهناك من يعتقد أن «كوفيد - 19» قد خلق التحديات والفرص لتحول الطاقة. والدعوة هنا إلى الاستثمار في المنازل والبنايات السكنية التي تؤدي إلى تقليص وترشيد استهلاك الطاقة، إذ إن الاستثمار في تشييد هذا النوع من المنازل الحديثة يساعد على توفير الزخم اللازم لإعادة تعمير البلاد وتشغيل الأيدي العاملة من جهة. كما أن ترشيد استهلاك الطاقة في المنازل الحديثة يقلص من استهلاك الوقود والانبعاثات الضارة من جهة أخرى. المهم في الأمر هنا، هو عدم تأخير أو إبطاء الاستثمارات. فالأولوية هي في إعادة إحياء اقتصاد الدول التي نكبت بالجائحة. وهنا يمكن أن تتعارض الأهداف البيئية مع الأهداف الاستثمارية لإنقاذ البلاد من الهلاك. ومن المتوقع أن تنخفض سياسات الدعم المالي الحكومي للبنزين والديزل إثر الأزمات الاقتصادية المقبلة. وهذا سيعني بدوره، تغيير مسار استثمارات شركات الطاقة، إذ من المتوقع في ظل هذه الظروف أن تتجه إلى الاستثمار أكثر في الطاقات المتجددة التي تلاقي دعما رسميا واسعا، مما سيعني إعطاء دفعة قوية لتحول الطاقة.

- أشارت الدراسات إلى أن «كوفيد - 19» لفتت الانتباه إلى ضرورة توفر قطاع كهرباء ناجح يلبي حاجات المجتمع أثناء الكوارث والنكبات. من ثم، سيتوجب عند التخطيط لقطاع الكهرباء أخذ هذا الأمر بجدية أكثر مستقبلا. وقد تبين أثناء الجائحة أن توليد الكهرباء من الطاقات المتجددة قد أبلى بلاء حسنا، الأمر الذي قد يؤدي إلى استثمارات أكثر في هذه الطاقات مستقبلا، والذي سيعني أيضا بدوره تلوثا أقل.

- تشير الدراسات إلى كثرة عدد الخيارات والتساؤلات الاستثمارية المطروحة أمام الشركات البترولية حاليا. إلا أنه من الواضح، أن مما سيساعد الشركات في بعض قراراتها هذه، هو أن الدعم المالي الحكومي، اكان على شكل إعفاءات ضريبية أو دعم أسعار الوقود، قد بدأ يأخذ مسارا جديدا، إذ إن الدعم بتجه الآن نحو الطاقات المتجددة بدلا من الوقود الأحفوري. وتجربة «كوفيد - 19» ستزيد من هذا المسار، مما قد يشجع شركات الطاقة، ومنها الشركات البترولية على الاستثمار في الطاقات المتجددة.

- من المتوقع أن يستمر التمويل والاستثمار في التقنيات الحالية لصناعة البترول، نظرا لاستمرار الحاجة إلى السلع المعتمدة على المنتجات البترولية. كما من المتوقع أيضا، الاستمرار في تمويل وسائل الطاقة ذات الانبعاثات الكربونية الضئيلة في المستقبل المنظور.

 

نقلا عن الشرق الأوسط