نموذج الاقتصاد السعودي في «رؤية 2030»

06/05/2016 0
د. عبدالله بن ربيعان

المتتبّع لنموذج الاقتصاد في السعودية بعد إعلان «رؤية 2030»، يجد أن الاقتصاد سيبقى معتمداً على الحكومة، لكن دور الحكومة سيتحول من حكومة تنفق على الاقتصاد مباشرة من خلال عائدات النفط، إلى حكومة تستثمر في الاقتصاد أو تحوّل له عائدات استثماراتها الخارجية من خلال صندوقها المعلن عن إنشائه في الرؤية كأكبر صندوق استثمار عالمي.

لا تقبل النظرية الاقتصادية مصطلح «الحكومة المستثمرة»، فكل كتب الاقتصاد الكلّي وأدبياته تقصر دور الحكومة على التخطيط والتنظيم وإصدار القواعد والأنظمة ومراقبة النشاط الاقتصادي، مع القيام استثناء بتمويل المشاريع العامة الضخمة التي لا يرغب فيها أو لا يستطيع تمويلها القطاع الخاص، والسبب أن قيام الحكومة بالاستثمار هو خروج لها عن دورها الاقتصادي وله سلبيات كثيرة.

لكن هذه النظرية اشتقّت وتطورت في المجتمعات الغربية، وما يحدث واقعاً في اقتصادات الدول النفطية خصوصاً السعودية، أن كل شيء في الاقتصاد يعتمد على إنفاق الحكومة المتحصّل من بيع النفط، ولا دور كبيراً للقطاع الخاص الذي ينتعش ويضعف طردياً مع حجم إنفاق الحكومة.

ومن هنا، فلا ضير أن تستثمر الحكومة، لكن يجب أن تركز استراتيجية استثمارات الصندوق داخلياً إن تقرر ذلك على بناء كيانات اقتصادية خاصة وكبيرة على غرار «سابك» و «الاتصالات» و «معادن» وغيرها، ومن ثم طرحها كشركات مساهمة في السوق المالية بعد نضجها، بالتزامن مع طرح كيانات وأجهزة حكومية أخرى في السوق وتحويلها إلى شركات خاصة أو شبه خاصة.

الأصل في الاقتصاد هو الاستثمار الخاص، لكن مع ضعف القطاع الخاص في السعودية حالياً ودخول الاقتصاد مرحلة تباطؤ نتيجة ضعف الإنفاق الحكومي، لا بأس من تحريك النشاط والسوق من طريق صندوق استثمارات حكومي لفترة زمنية استثنائية، لأن البديل عن ذلك هو الركود والوقوف في المكان نفسه في انتظار طفرة نفطية جديدة قد يطول أمد انتظارها.

ولهذا السبب، فإن قبول استثمار الحكومة في الاقتصاد يبدو مبرراً، لكنه يجب أن يكون استثناءً ولهدف إيجاد كيانات خاصة كبيرة وتطويرها لتنويع الدخل وفتح فرص عمل وزيادة فرص التصدير وجذب الاستثمارات الأجنبية.

نقطة أخرى في النموذج الجديد ثار حولها بعض الجدل وسوء الفهم، وهي ملكية النفط - ملكية «أرامكو السعودية» تحديداً.

واضح أن النفط سيبقى ملكاً للحكومة السعودية، وكل عائدات بيعه ستعود إلى موازنة الحكومة لتصرف منه رواتب موظفيها ونفقات جيشها وأمنها وعلاج مواطنيها وتعليمهم، فيما ستنتقل الشركة المشغلة «أرامكو» التي تملك حق امتياز استخراج النفط وتسويقه، من شركة مملوكة بالكامل للحكومة إلى شركة مساهمة يملكها صندوق الاستثمارات العامة، وتطرح منها خمسة في المئة للاكتتاب العام بهدف تحقيق أرباح رأسمالية كبيرة من وراء طرح هذه النسبة ليستثمرها في مشاريع أخرى في الخارج أو الداخل.

النقطة الأخيرة الجديرة بالنقاش هي مقدرة السوق المالية السعودية على استيعاب الجزء المطروح للاكتتاب من «أرامكو» وغيرها من الشركات الأخرى، بما فيها المشمولة ببرنامج التخصيص المقرر لعدد من الأجهزة الحكومية المعلن عن تخصيصها وفق بيان لوزارة الاقتصاد والتخطيط في بداية العام الحالي.

الخلاصة هي أن الرؤية السعودية الجديدة طموحة وكبيرة وينتظر أن يعلن البرنامج التفصيلي لتنفيذها بعد أسابيع، إلا أن الأهم هو جاهزية الجهات الحكومية ومقدرتها على تنفيذها، ومقدرة الجهات الرقابية على متابعة التنفيذ والالتزام به حرفياً، والأهم قياس نتائجها سنوياً للتأكد من سيرها في الطريق المرسوم وبالأرقام والنسب المعلنة.

والأهم من عائدات الصندوق هو استخدامها في إيجاد كيانات اقتصادية كبيرة في الداخل تنوّع العائدات وتدعم التصدير وتوجد فرص العمل، وهذا هو الطريق السريع والأمثل للنمو الاقتصادي الذي هو مفتاح التنمية الشاملة في البلد.

نقلا عن الحياة