رفع الدعم عن الوقود وانعكاسه على الاقتصاد والبيئة والعقار

29/07/2015 11
حسان بن عبدالله علوش

يودع مالكو السيارات في دولة الإمارات هذه الأيام الثلاثة الأخيرة من شهر يوليو، البنزين الرخيص نسبيا، بعد أن تقرر رفع الدعم عنه وتحرير أسعاره وربطها بالأسعار العالمية.

أسعار البنزين بأنواعه الثلاثة ارتفعت بنسب تراوحت بين 23 % و 28 %، لكن أسعار الديزل هبطت بنسبة 29 % لدى شركات التوزيع في دبي والإمارات الشمالية. 

نظرة الاقتصاديين في هذا الموضوع، أن مبالغ دعم الوقود وفروقات سعره، بالإمكان توجيهها لبناء نظام مواصلات قوي وواسع، يساعد في تخفيف التلوث والزحام ويخفف الضغط على الطرق والبنى التحتية ويحد من تكاليف توسعتها وصيانتها، لاسيما في بلد يشكل فيه المغتربون أكثر من 80 % من عدد السكان. 

وتتطلع الإمارات إلى تخفيض عدد السيارات، لاسيما المتهالكة، وتخفيف الزحام على الطرق، وترشيد الاستهلاك والحث على استخدام المواصلات العامة.

وبالنسبة للمستهلكين فإن العبء الإضافي لارتفاع البنزين، سيشكل مصروفا شهريا إضافيا يختلف من سائق لآخر ومن سيارة لأخرى، لكنه يبقى محدودا ومقبولا بشكل عام في الوقت الحالي نظرا لتراجع سعر النفط العالمي بشكل كبير، حيث أن اختيار هذا التوقيت لرفع الدعم عن الوقود كان ممتازا، حتى لايشكل رفعه في أوقات ارتفاع أسعار النفط صدمة للمستهلكين، وإنما سيزداد سعر المشتقات في حالتنا هنا بشكل تدريجي مع ارتفاع النفط المتوقع خلال السنوات القادمة. 

ولكن ماهي الآثار الأبعد لارتفاع البنزين؟ إن التخوف هو من موجة ارتفاع أسعار بسبب أو بحجة ارتفاع البنزين، فهواة رفع الأسعار غالبا ما ينتظرون حجة أو سببا لرفعها فورا وقبل أن يحصل الأثر الفعلي، ولا أدل على ذلك من ارتفاعها عشية أي قرار لرفع الرواتب، أو كارتفاع الأسعار مثلا فور فوز دبي باستضافة إكسبو 2020 رغم طول المدة وبُعد عدة مناطق.

ولأن مؤشرات التضخم تنظر للارتفاع الفعلي لمجموعات السلع، فقد يرتفع مستوى الأسعار والتضخم – ربما بنسب محدودة – اعتبارا من أغسطس القادم، بفعل ارتفاع البنزين على الأقل هذا إن لم ترتفع السلع والخدمات الأخرى تبعا له. 

وبالنظر إلى سعر الديزل فإنه أصبح سعرا موحدا بعدما كان متباينا يدفع الناقلين والسائقين للتكدس لدى موزعه الأرخص، وعليه فإن الأثر لتراجعه لا يبدو كبيرا، وحتى إن شهد تراجعا فعليا بنسبة 29 % لدى بعض الموزعين، فإن تراجع الأسعار بناء على تراجع التكاليف الناجمة عن انخفاض الديزل وتراجع تكلفة النقل والشحن والتوصيل، لن تتحقق بشكل جلي: فنادرا ما نشهد تراجعا في أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات، إلا في بعض السلع، والحالات التي تشهد حرب أسعار، فلا يمكن توقّع الكثير من تراجع الديزل المذكور، إنما قد يدعم ثبات الأسعار لفترة أطول.

وتبدو عقارات إمارتي الشارقة وعجمان الأكثر تأثرا من هذا القرار، إذ سيدفع تحرير أسعار الوقود وبلا شك إلى التفكير مليا بالسكن بهما من قبل شريحة من العاملين بإمارة دبي، ولايشترط حدوث ذلك حاليا، بل على المدى المتوسط والطويل، إذ إن تحرير أسعار الوقود يعني ارتفاع أسعار المشتقات إذا ارتفعت عالميا، وهي رخيصة الان، وقد ترتفع لاحقا وربما بالضعف أو أكثر، مما يجعل الرحلة من دبي إلى الشارقة أو عجمان مكلفة فعلا، عدا أنها منهكة وطويلة، ويستعاض عنها بدفع تكلفة الوقود لفارق أسعار إيجارات العقار بين المنطقتين والاستئجار في دبي. 

وطالما أن ارتفاع أسعار البنزين محدود وبنسب تقل عن 30 % فإن قطاع السيارات قد يشهد تغيير تفضيلات لدى المشترين، فقد يدفع هذا القرار ذوي الدخل المحدود إلى تفضيل السيارات الأقل استهلاكا والأصغر حجما، كبعض السيارات اليابانية والسيارات الصغيرة والمتوسطة (ذات 4 سلندر)، بينما تشهد قطاعات السيارات الكبيرة والأكثر استهلاكا للبنزين، لاسيما بعض الأنواع كالسيارات الأمريكية التي تستهلكه بشراهة، تراجعا نسبيا وتدريجيا قد يتزايد لاحقا، في الإقبال على شرائها، وعزوفا عن ركوبها، لاسيما تلك السيارات متوسطة التكلفة التي لاتجذب الأثرياء والمشاهير ممن لايلقون بالاً لأسعار الوقود مهما ارتفعت، بل تستهدف الطبقة الوسطى. 

وبالانتقال إلى البيئة: فإن الحد من استهلاك الوقود يساعد على الحد من تلوث البيئة، فقد ذكر البنك الدولي في يونيو الماضي، أن  الإمارات حلت في المرتبة الأعلى عالميا في التلوث الهوائي.

كما أن الزحام والضجيج وتكدس السيارات في أماكن معينة، ظواهر قد تنحسر جزئيا بعد إزالة الدعم عن الوقود.

وسيتم التوجه بشكل أكبر نحو السيارات الكهربائية والعاملة بالغاز والهجينة والتي لازال الإقبال عليها قليلا وضعيفا، وسيكون هناك منافسة أفضل تخفف من أعباء التكاليف المرتفعة لاقتناء تلك الأنواع من السيارات التي تتميز بارتفاع أثمانها، مما يضيف أيضا عاملا إيجابيا لنقاء البيئة عبر تحوّل جزء من السيارات العابرة للطرق إلى وقود أنظف.

وفي أي بلد يتطلب رفع الدعم عن المشتقات النفطية إيجاد نظام مواصلات متطور، وشامل أيضا، بحيث يصل إلى معظم المناطق المأهولة، ويساعد السكان في الاستغناء عن المركبات الخاصة، والأمر الواضح أن كثيرا من مشاريع النقل في دول الخليج جميعا لازالت قيد التنفيذ والتخطيط، لاسيما في السعودية على سبيل المثال. 

ولاتدعم أنظمة وشبكات المواصلات المتطورة رفع الدعم عن الوقود فقط، بل تساهم في زيادة الجاذبية الاستثمارية والاقتصادية والسياحية، وتسهل الأعمال والتجارة والشحن وتحد من تعطلها في طرق مزدحمة مليئة بالسيارات الخاصة، أو في طرق متهالكة او غير مختصرة يصب صيانتها واختصارها في ظل توجه الموارد المالية لدعم الوقود.