من خطة إلى خطة.. من يدفع فاتورة التجارب؟

07/10/2026 1
محمد العنقري

هناك شركات تبني القيمة ولديها رؤية واضحة وتوجهات مبنية على قراءة دقيقة للسوق واستعداد تام لكل الظروف والتحديات ومستهدفات نمو واضحة وتوسع يتناسب مع حاجة القطاع والطلب فيه مع التحوط التشغيلي والمالي المبني على خبرة واسعة بظروف الأعمال، وبالمقابل هناك شركات تبيع الوعود عبر اتباع أساليب دعائية حول توجهاتها وكيفية معالجة خسائرها وتغطية ذلك بأساليب أصبحت مكشوفة للسوق ومن يتعامل به فلم يعد كل ما يطلقونه من خطط محل ثقة لدى المساهم عموما.

فالقصة تبدأ من تكتل مستثمرين بثقافة مضاربية بحتة يبحثون عن شركات متعثرة من فئة متوسطة أو صغيرة من حيث رأس المال ورأس مالها يتآكل وتعاني تشغيليا وذات قيمة سوقية منخفضة جدا فيدرسون ما لديها من أصول ويبدأون بالاستحواذ على أسهمها بمدة زمنية مرنة تسمح لهم بأن لا يرتفع سعر السهم عن نطاق يبقيها منخفضة القيمة عليهم حتى يسيطروا على كميات تسمح لهم بتغيير مجلس الإدارة.

بعد ذلك يقومون بتغيير الإدارة التنفيذية ثم يطلبون وضع خطة إستراتيجية لتوجهات بعيدة عن نشاط الشركة الأساسي وتبدأ بعد إعدادها حملة ترويجية لتلك الخطة فيطلبون شطب خسائر رأس مال الشركة «لتصفير العداد» وبعد ذلك يقدمون طلب رفع رأس مال بحقوق أولوية لتغطية تكاليف الخطة الجديدة والتي يضعون لها سقفا زمنيا لتنفيذها إما ثلاثة أو خمسة أعوام على سبيل المثال وقد يكون أكثر وبعضهم يضع جدولا لهذه الفترة الزمنية بحيث يحدد مستهدفاته السنوية وبعد أن يتمم الحصول على رأس المال الجديد تنطلق عملية تنفيذ الخطة فيعاد توجيه نشاط الشركة واستقطاباتها للموظفين نحو الأعمال الجديدة فهناك شركات بدأت بنشاط ما فحولها من سيطروا عليها لنشاط آخر.

فتكلفة هذا التحول باهظة فكيف لشركة بدأت مثلا صناعية وبنت هيكلها على هذا الأساس يتم تحويلها لخدمات طبية أو زراعية أو استثمارية فالفاتورة ستكون كبيرة إذ يعني ذلك التخلي عن أصول أنفق عليها مبالغ كبيرة واستقطبت كوادر لتشغيلها فيتم تغيرهم لأشخاص بخبرات وتخصصات تناسب التوجه الجديد أي أن استثمار الشركة السابق بالأصول التي تم بيعها بربع قيمتها أو أقل للتخلص منها بعد شطب الإهلاكات وقدم التقنية وكذلك التخلي عن كوادر أنفق على استقطابها وتدريبها الكثير مع صرف تعويضاتهم كل ذلك هي فاتورة كبيرة تمسح جزءا من رأس المال وتذهب بالشركة لحافة الهاوية؟

ثم تنتهي مدة الخطة المعلنة فيكون كشف الحساب خلالها شطب خسائر رأس المال ثم طلب رفعه لتنفيذ الأعمال الجديدة لكن النتيجة تحقيق خسائر لأن أي نشاط لا يمكن أن يحقق ربحا من أول عام ببدايته، فتكون المحصلة أن كل أصول الشركة ورأس مالها أصبح رهينة خطة وضعت البيض في سلة واحدة وأدت لتكبد خسائر جديدة ومسح جزء من رأس المال وحقوق المساهمين تصبح دون خط الأمان.

لكن المجلس الذي يبقى مستمرا في سيطرته على الشركة ويحقق أعضاؤه ربحهم من التحركات المضاربية على السهم نتيجة إعلانات هدفها فقط خلق إيجابية سريعة على السهم لا يعجز عن ابتكار أساليب الهروب للأمام فيقوم بإعلان خطة جديدة تبدأ من نهاية الخطة القائمة وتكون بنهج جديد ونشاط مختلف فتكون أول خطوة بيع الأصول للنشاط الذي تكبدوا فيه خسائر ثم الإعلان عن الخطة الجديدة والتوجه القادم فيها نحو نشاط مختلف تماما ويتم تعيين إدارة تنفيذية جديدة تحت عنوان أنها تواكب التوجه الجديد رغم أن التنفيذي السابق هو من أشرف على إعداد الخطة وهي مفارقة عجيبة في استخدام أساليب دعائية لإقناع المستثمر الذي سيدعى لضخ أموال جديدة برأس المال لتغطية تكاليف الخطة الجديدة والتي سيكون مصيرها كسابقتها لأنه لا يمكن أن تقوم نفس العقول التي أنتجت هذا الفشل بأن تحقق نجاحا في خطط جديدة.

تنتهي خطة لتبدأ أخرى بنشاط لا يحقق التحول والمعجزة التي تنقذ الشركة والنتيجة أن المساهم هو من يتحمل فاتورة التجارب لتصبح الشركة تدور حول نفسها من شطب خسائر لزيادة رأس مال ثم خطة جديدة تقوم على تغيير النشاط فتحقق خسائر مجددا فتذهب لبيع الأصول ومن بعد ذلك تطلق خطة جديدة بطلب زيادة رأس مال وهنا لا تصبح الشركة في مسار نمو، بل مجرد حقل تجارب وبيئة خصبة للمضاربة السلبية وحرق الأموال.

 

نقلا عن الجزيرة