تقدم تجارب الشركات العالمية نماذج واضحة لكيف يمكن أن تتحول الأزمات إلى فرص لإعادة البناء. ففي عام 2004، كانت LEGO تواجه واحدة من أصعب مراحلها المالية بعد سنوات من التوسع في أنشطة ومنتجات أبعدتها عن جوهر علامتها التجارية. استجابت الشركة بالعودة إلى نشاطها الأساسي، وتقليص المنتجات غير المربحة، وبيع بعض الأصول، وتحسين الرقابة على التكاليف. لم يكن الحل في المزيد من التوسع، بل في معرفة ما تجيده الشركة فعلًا والتركيز عليه.
أما Ford، فقد بدأت إعادة هيكلتها قبل الأزمة المالية العالمية، وحصلت في عام 2006 على تمويل كبير بضمان معظم أصولها. ورغم صعوبة القرار، فإنه وفر لها السيولة التي احتاجت إليها لاحقًا، وساعدها على تجاوز أزمة عام 2008 دون الاعتماد على برنامج الإنقاذ الحكومي الذي احتاجت إليه شركات سيارات أمريكية أخرى. وبالتوازي، أعادت الشركة تنظيم عملياتها، وتخلصت من بعض العلامات غير الأساسية، وركزت استثماراتها ضمن استراتيجية موحدة.
وفي أثناء الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، واجهت Samsung تراجعًا حادًا في السيولة وارتفاعًا في الديون. دفعتها الأزمة إلى إغلاق أو بيع عدد من الأنشطة، ونقل جزء من عمليات التصنيع، وإعادة توجيه مواردها نحو المنتجات الأعلى قيمة والتقنيات المتقدمة. ومع أن الإجراءات كانت مؤلمة، فقد أسهمت في انتقال الشركة من المنافسة على السعر إلى المنافسة على التقنية والتصميم والابتكار.
تكشف هذه التجارب أن الفرصة لا تأتي من الأزمة نفسها، بل من القرارات التي تُتخذ خلالها. فالمؤسسة التي تتعامل مع التحدي المالي بمجرد خفض المصروفات قد تنجح في تحسين أرقامها مؤقتًا، لكنها قد تخسر قدرات أساسية تحتاج إلى سنوات وتكاليف كبيرة لإعادة بنائها.
التعامل مع الأزمة كمنظومة يبدأ بتكوين صورة مشتركة عن حجم التحدي وأثره، بحيث لا تنظر الإدارة المالية إلى السيولة بمعزل عن العمليات، ولا تتخذ الإدارات التشغيلية قراراتها بعيدًا عن الالتزامات والعقود والمخاطر. فالقرار الذي يبدو مناسبًا من زاوية مالية قد تكون له آثار أكبر على استمرارية الخدمة، أو تجربة العميل، أو قدرة المؤسسة على العودة إلى وضعها الطبيعي.
بعد وضوح الصورة، تأتي إعادة ترتيب الأولويات. بعض الأعمال يجب حمايتها لأنها تمثل جوهر المؤسسة أو ترتبط مباشرة باستمرارية الخدمة، وبعضها يمكن تأجيله، بينما توجد أنشطة يمكن دمجها أو تنفيذها بطريقة أقل تكلفة. وهنا تصبح الأزمة فرصة لمراجعة العقود مرتفعة التكلفة، ومعالجة ازدواجية الأدوار، وتبسيط الإجراءات، والاستفادة بصورة أفضل من الأصول والموارد المتاحة.
ومن المهم كذلك ألا تُبنى القرارات على سيناريو واحد. فقد يكون الخيار الأقل تكلفة اليوم هو الأكثر كلفة في المستقبل إذا أدى إلى فقدان كفاءات يصعب تعويضها، أو إيقاف قدرة تشغيلية تحتاج إلى وقت طويل لاستعادتها، أو خسارة إيرادات وفرص مستقبلية. لذلك يجب أن تشمل المقارنة الوفر المباشر، والخسائر المتوقعة، ومدة العودة إلى التشغيل، والأثر على العميل وسمعة المؤسسة.
يتطلب ذلك حوكمة واضحة تجمع الأطراف المعنية وتحدد المسؤوليات والصلاحيات وسرعة التصعيد. فالعمل كمنظومة لا يعني مشاركة الجميع في كل قرار، بل يعني أن تُتخذ القرارات بناءً على معلومات متكاملة، وأن تكون آثارها مفهومة قبل اعتمادها، مع متابعة التنفيذ وقياس النتائج بصورة مستمرة.
في النهاية، لا تُقاس قوة المؤسسة بعدم تعرضها للأزمات، بل بقدرتها على الحفاظ على اتجاهها عندما تضيق الخيارات. وإذا استُخدمت الأزمة لإعادة ترتيب الأولويات، وتحسين الحوكمة، وتطوير نموذج التشغيل، فقد لا تخرج المؤسسة منها بأقل الخسائر فقط، بل بمنظومة أكثر كفاءة ومرونة واستعدادًا للمستقبل.
فالأزمات لا تصنع الفرص وحدها، لكنها تمنح المؤسسة لحظة نادرة لترى واقعها بوضوح، وتعيد النظر في طريقة عملها، وتتخذ قرارات ربما كان من الصعب اتخاذها في الظروف المعتادة.
خاص_الفابيتا


