هناك مجالات قليلة في الأسواق العالمية تحظى بهذا القدر من الاهتمام والجدل في الوقت نفسه كالائتمان الخاص، ورغم أن التغطية الإعلامية مؤخراً أثارت تساؤلات كثيرة حول المخاطر والسيولة ومعايير الاكتتاب، إلا أنها قد تصرف الانتباه عن مواطن الفرص الحقيقية والواعدة في هذا المجال.
وتكتسب هذه النقاشات أهمية خاصة بالنسبة للمستثمرين المؤسسيين في دول مجلس التعاون الخليجي، في ظل استمرار توجه المحافظ الاستثمارية تدريجياً بعيداً عن الأسهم المدرجة وأدوات الدخل الثابت التقليدية، نحو استراتيجيات أكثر تنوعاً وقدرة على توليد الدخل. وفي هذا السياق، برز الائتمان الخاص كأحد الخيارات الرئيسية إلى جانب الصكوك وغيرها من البدائل الاستثمارية. وبالتالي، لم يعد السؤال المطروح يتمحور حول ما إذا كان ينبغي تخصيص استثمارات لهذه الفئة من الأصول، بل أين وكيف ينبغي الاستثمار فيها.
التمييز بين الجدل الإعلامي والأسس الاستثمارية
يتركّز التدقيق الإعلامي إلى حد كبير على قطاعات ترتبط بسوق الإقراض المباشر التقليدي من دون أن تعكسه بدقة. وعلى وجه الخصوص، استحوذت القروض المجمّعة واسعة النطاق، التي يتم الاكتتاب فيها بهدف توزيعها لا الاحتفاظ بها، على النصيب الأكبر من التغطية السلبية. وغالباً ما تعطي هذه الهياكل أولوية لحجم الصفقات وتوليد الرسوم على حساب مواءمة المصالح طويلة الأجل مع المقرضين. إضافة إلى ذلك، جمعت بعض شركات إدارة الائتمان الخاص الكبرى رؤوس أموال ضخمة، ما دفعها إلى تخفيف معايير الاكتتاب، وشروط التوثيق، ومستويات الرافعة المالية، ومعايير جودة الأعمال، بهدف توظيف هذه السيولة الكبيرة.
وهذا التمييز بالغ الأهمية، فالإقراض المباشر ليس فئة أصول متجانسة. فمعايير الاكتتاب، ومستويات الحماية التعاقدية، ودرجة المواءمة مع مصالح المستثمرين، تختلف بشكل كبير بين مديري الأصول وشرائح السوق المختلفة. وعلى وجه التحديد، يوفّر قطاع الشركات الصغيرة والشريحة الرئيسية من الشركات المتوسطة سوقاً أقل تنافسية، مع إمكانية تحقيق عوائد معتدلة المخاطر بمستويات أعلى. من هنا، فإن التعامل مع الائتمان الخاص باعتباره فئة استثمارية واحدة قد يؤدي إلى الخلط بين أنماط استثمارية تختلف جوهرياً في خصائصها ومخاطرها.
أما بالنسبة لمديري الأصول الذين يتبعون نهجاً منضبطاً في قطاع الشركات الصغيرة والشريحة الرئيسية من الشركات المتوسطة، فقد أسهمت البيئة الحالية في تعزيز الفرص الاستثمارية المتاحة بدلاً من إضعافها.
كيف يبدو مفهوم "النمو الدفاعي" على أرض الواقع؟
في جوهره، يقوم الإقراض المباشر على توفير التمويل لشركات حيوية قادرة على توليد تدفقات نقدية مستقرة، وغالباً ما تكون شركات مملوكة للقطاع الخاص وتركّز أعمالها على الأسواق المحلية. وتنشط هذه الشركات في قطاعات مثل خدمات الرعاية الصحية، وأعمال الفحص والاختبار، والخدمات البيئية، وشبكات الإصلاح والاستبدال، وهي قطاعات تميل إلى الحفاظ على استقرار الطلب عبر مختلف الدورات الاقتصادية، كما أنها ترتبط بخدمات نستخدمها في حياتنا اليومية.
وفي الولايات المتحدة وحدها، يوجد نحو 200 ألف شركة ضمن شريحة الشركات المتوسطة، تشكّل جزءاً مهماً من النشاط الاقتصادي. كما أن العديد من هذه الشركات أقل عرضة لتأثيرات التجارة العالمية أو التقلبات الجيوسياسية مقارنةً بالشركات الكبرى متعددة الجنسيات، وهي ميزة تلقى اهتماماً متزايداً من المستثمرين في دول مجلس التعاون الخليجي، الذين أصبحوا يركّزون بشكل أكبر على المرونة والحد من المخاطر، وليس فقط على العوائد المرتفعة.
ويُسهم هذا النوع من النشاط الاستثماري المرتبط بالاقتصاد الحقيقي في دحض فكرة غموض وتعقيد الائتمان الخاص. ففي الواقع، يستند هذا النوع من الاستثمار إلى أسس مألوفة، تتمثل في توفير هياكل تمويلية متحفظة لشركات تتمتع بتدفقات نقدية مستقرة وإدارة عالية الكفاءة.
مخاطر السيولة ترتبط بهيكل الاستثمار لا بجودة الائتمان
ركّزت بعض النقاشات الأخيرة على خصائص السيولة في بعض أدوات الائتمان الخاص، إلى جانب التركّز الكبير في قطاعات النمو مثل البرمجيات. وهذه اعتبارات مشروعة بالفعل، لكنها تعكس خيارات هيكلية في تصميم الاستثمار، وليست دليلاً على تراجع واسع النطاق في جودة المقترضين.
وبالنسبة للمؤسسات الاستثمارية في دول مجلس التعاون الخليجي، والتي يتمتع العديد منها بقدرة على الاستثمار لآجال زمنية طويلة الأجل، فإن الدرس الأهم لا يتمثل في تجنب الائتمان الخاص، بل في اتباع نهج مدروس عند اختيار هياكل الاستثمار، ومديري الأصول، وتوازن القطاعات الاستثمارية.
أين تتجه اهتمامات مستثمري دول الخليج؟
تركّز النقاشات الاستثمارية في المنطقة بشكل متزايد على بناء محافظ استثمارية مدروسة ومتوازنة. وبدلاً من النظر إلى الائتمان الخاص كفرصة استثمارية ظرفية، أصبح المستثمرون المؤسسيون يتعاملون معه كجزء استراتيجي من المحافظ الاستثمارية يهدف إلى:
•تحقيق عوائد مستقرة تعاقدية
•الحد من التقلبات مقارنة بالأدوات المتداولة في الأسواق العامة
•تعزيز التنويع مع الحفاظ على مستويات قوية من حماية رأس المال
وفي هذا السياق، فإن هياكل الإقراض المباشر المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية- والمطبقة على مستوى الأصول والقروض الأساسية لا كإضافة شكلية لاحقة- تساهم في توسيع نطاق الفرص الاستثمارية وتعزيز التوافق مع مبادئ الاستثمار المتوافقة مع الشريعة. ولا يزال هذا النهج الهيكلي الأصيل يحظى بقبول واسع لدى رؤوس الأموال في المنطقة، وهو ما تعكسه التدفقات الاستثمارية المستمرة والمتزايدة من مستثمري دول مجلس التعاون الخليجي نحو استراتيجيات الإقراض المباشر المتوافقة مع الشريعة.
الانتقائية هي العامل الحاسم
بالنظر إلى المرحلة المقبلة، لا تزال العوامل الداعمة لنمو الائتمان الخاص قوية. فالشركات المقترضة وشركات الاستثمار الخاص تواصل البحث عن بدائل للإقراض المصرفي الذي بات أكثر تشدداً، في حين يبقى الطلب المؤسسي على أدوات توليد الدخل مرتفعاً.
ومع ذلك، فإن العوائد المستقبلية ستعتمد بدرجة أقل على اتجاهات السوق العامة، وبدرجة أكبر على انضباط مديري الأصول. فعمليات الاكتتاب الدقيقة، والضمانات التعاقدية الفعالة، والاستخدام المتحفظ للرافعة المالية، والمواءمة الحقيقية للمصالح، ستكون جميعها عوامل تميز الجهات القادرة على تحقيق أداء متفوق على المدى الطويل.
وبالنسبة لمستثمري دول مجلس التعاون الخليجي، يوفّر الائتمان الخاص فرصة للاستفادة من العوائد الإضافية المرتبطة بانخفاض السيولة وعدم كفاءة السوق، مع تقلبات محتملة أقل مقارنة بالأسواق العامة، لكن ذلك يظل مرهوناً باتباع نهج استثماري مدروس ومُحافظ. وفي سوق يسوده التعميم في الغالب، قد تكون الانتقائية، لا التشكيك، الاستراتيجية الأكثر فاعلية.
خاص_الفابيتا


