من سيقرض الحكومة الأمريكية؟

26/11/2023 2
د. فهد الحويماني

لم تعان الحكومة الأمريكية أي مشكلات تمويلية منذ انطلاق الأزمة المالية العالمية في 2008 حين بدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشراء كميات ضخمة من الأصول والأوراق المالية في عمليات ضخ سيولة مهولة في الأسواق، وصل جزء كبير منها إلى الحكومة الأمريكية التي استفادت من تلك السيولة في تمويل مصروفاتها السنوية بسهولة تامة وفوائد متدنية جدا. فهل لا تزال الحكومة الأمريكية قادرة على الاقتراض بسهولة؟، كانت هناك أوقات انخفضت فيها معدلات الفائدة على أوراق الدين إلى ما دون 1 في المائة ولم يكن لها أي تأثير في عمليات التمويل الحكومية، حيث كانت وزارة الخزانة دوما تجد من يشتري ما تطرحه من أوراق دين بيسر وسهولة، والسبب يعود لقوة المكانة الائتمانية لأدوات الدين الأمريكية ولجوء المستثمرين إليها سواء من الداخل أو الخارج. أما الآن فحدثت هناك تطورات عديدة بدأت تجعل عملية الاقتراض أصعب من ذي قبل، فقبل أيام كاد يفشل المزاد الحكومي لسندات 30 عاما بسبب ضعف الطلب، ما جعل الحكومة تركز على التمويل على المدى القصير بإصدار أذونات عام واحد وأقل بدلا من إصدار سندات على المديين المتوسط والبعيد.

يلاحظ في المزاد الأخير نقص مستوى التغطية الذي كان في أوقات سابقة يغطي في المتوسط 2.5 حجم المعروض، والآن انخفض إلى 2.2 وفي حال انخفض إلى ما دون 2.0 يبدأ دق ناقوس خطر فشل المزادات، وهذا مؤشر خطير سيربك الخطط التمويلية للحكومة. مصدر المشكلة الحقيقي يعود لتناقص الطلب من الجهات الأجنبية لشراء السندات الأمريكية، حيث نلحظ ذلك هذا العام، حيث اشترت الأطراف الأجنبية 75 في المائة من السندات المطروحة في يناير، ثم انخفضت نسبة الشراء إلى 65 في المائة في أكتوبر الماضي، وأخيرا في مزاد 9 نوفمبر جاءت مشتريات الأجانب فقط 60 في المائة، وهذا الانخفاض يأتي رغم ارتفاع العائد المقدم من الحكومة بشكل أكبر بكثير من الأعوام السابقة، في الفترات الأخيرة تتضح الزيادة في عمليات شراء السندات وغيرها من أدوات دين حكومية من قبل تجار السندات، أو من يسمون الوسطاء الرئيسين، وبذلك فهم يعوضون نقص الطلب على السندات من قبل الجهات الأجنبية. فمثلا نجد نسبة شراء تجار السندات هذا العام ارتفعت من 9 في المائة من السندات المطروحة في أول العام إلى 25 في المائة في المزاد الأخير، ولكن هل يستطيع تجار السندات الاستمرار في سد تلك الفجوة؟

الحقيقة أن وزارة الخزانة أشارت إلى قلق تجار السندات تجاه حجم ما يطرح من أدوات دين وعدم اقتناعهم من تقديرات عجز الميزانية وتنبؤات النمو الاقتصادي والإيرادات الحكومية، وبالتالي قد لا يستطيعون مواصلة الشراء في المزادات المقبلة. تجار السندات في نهاية المطاف ليسوا مستثمرين، بل هم وسطاء، ويعلمون حجم الطلب على أدوات الدين الحكومية وما يستطيعون تصريفه منها على المستثمرين في الداخل والخارج. وفي حال لم يستطع هؤلاء التجار تصريف ما لديهم من سندات فستكون هناك أزمة كبيرة جدا، لأنهم إما سيقومون ببيعها بأقل الأسعار، ما يعني ارتفاعا حادا في معدلات الفائدة، أو أن يقوم البنك الفيدرالي بشرائها منهم، ما يعني مخالفته لتوجهاته في التخلص مما لديه من أصول، في المائة كمتوسط تكلفة للفائدة على ما تم إصداره من ديون. أضف إلى ذلك وجود عجز سنوي في الميزانية الفيدرالية بحدود تريليوني دولار، مرشحا لمزيد من الارتفاع في الفترات المقبلة، فما الحل؟

أحد الحلول أو الحيل -إن صح التعبير- يتم اللجوء إلى أرصدة اتفاقيات إعادة الشراء المعاكس، التي كانت تقارب 2.4 تريليون دولار قبل أشهر قليلة وبدأت بالانخفاض نتيجة الاعتماد عليها في تمويل الحكومة، وهي الآن أقل من تريليون دولار. من المعروف أن اتفاقيات إعادة الشراء العادية وليس العكسية هي طرق تستخدمها البنوك، وغيرها من مؤسسات مالية، للاقتراض قصير المدى، حيث مثلا يقوم البنك التجاري بتسليم بعض ما لديه من سندات حكومية إلى البنك المركزي للحصول على سيولة نقدية مؤقتة، ويدفع مقابل ذلك معدل اتفاقية الشراء السائد، الذي يبلغ هذه الأيام في المملكة 6 في المائة، وفي أمريكا نحو 5.4 في المائة. لكن حاليا لا توجد حاجة لدى البنوك إلى إجراء مثل هذا النوع من الاتفاقيات لعدم حاجتها لأي سيولة إضافية، فلديها ما يكفي، فنلحظ منذ بداية 2022 أن البنوك بدأت تتراجع عن الدخول في اتفاقيات إعادة الشراء، وبدأت بدلا عن ذلك بتفعيل اتفاقيات إعادة الشراء المعاكس، نتيجة جاذبية معدلات فائدتها المرتفعة، من جهة أخرى نتيجة تراجع حجم الطلب الائتماني من قبل الأفراد والشركات، وبالتالي أصبح عائد الاتفاقيات العكسية عند 5.3 في المائة مغريا جدا لهذه المؤسسات المالية.

بمعنى آخر، الذي حصل للسيولة المهولة التي حصلت عليها البنوك أعواما طويلة، ولم تستطع ضخها في الاقتصاد كما ينبغي، عادت إلى البنك الفيدرالي كأرصدة اتفاقيات إعادة شراء معاكس، والآن تستفيد وزارة الخزانة من هذه الأرصدة في عملياتها التمويلية على المدى القصير فقط، وكذلك يستفيد الفيدرالي منها في كونها طريقة تمويل غير مكلفة، بمعنى أنها لا ترفع من المعروض النقدي، ولا تتطلب شراء سندات كما كان يتم في عمليات التيسير الكمي. المشكلة أن رصيد هذه الاتفاقيات بدأ يتناقص بشكل سريع، وقريبا لن يكون هناك مجال للاستفادة من الاتفاقيات العكسية، وسيضطر الفيدرالي إلى إجراء عمليات ضخ سيولة في الأسواق. لذا لا يوجد خيار آخر لتمويل الحكومة عدا طرح مزيد من أدوات الدين، كون إيرادات الحكومة محدودة ولن تأتي أي إيرادات إضافية من الضرائب على الأقل حتى نهاية 2024.

الحكومة الأمريكية تعتمد على الإقبال الكبير على ما تطرحه من أدوات دين متنوعة مستفيدة من مكانتها الائتمانية ومكانة الدولار الأمريكي كعملة احتياطية عالمية، ولكن بدأت تظهر ملامح تعثر في المزادات الحكومية بسبب تراجع الطلب الخارجي، وتناقص أرصدة الاتفاقيات العكسية، وقلق تجار السندات، إلى جانب اختلال التصنيف الائتماني الأخير لأمريكا، ما يجعل الحكومة الأمريكية في حيرة من أمرها، فإما خفض عجز الميزانية أو زيادة الإيرادات أو إصدار السندات بمعدلات فائدة متصاعدة، أو استسلام مجلس الاحتياطي الفيدرالي ومعاودة شراء الأصول لضخ السيولة اللازمة وبالتالي تضخم قائمة المركز المالي لديه على خلاف ما يسعى إليه.

 

 

 

نقلا عن الاقتصادية