24 سنة تأخيراً

15/01/2023 1
علي المزيد

تقول حكمة إدارية قديمة، وهي حكمة تنطبق على الحياة الاجتماعية والاقتصادية معاً، تقول الحكمة «إن الخسارة في الحسم في اتخاذ القرار أقل تكلفة من المماطلة في اتخاذه»، وهذا يعني أن الحسم في اتخاذ القرارات يكون أكثر فائدة من التباطؤ في اتخاذها، هذا على افتراض الخسارة، أما على افتراض الربح، فإن أرباح الحسم في اتخاذ القرار تكون أكثر أرباحاً من المماطلة في اتخاذه.

فمثلاً لو أن إنساناً أراد شراء شقة أو أرض أو أي مأوى يناسبه مع القدرة على دفع تكاليفه ولكنه بدأ يتريث في اتخاذ القرار، فسنجد أن أسعار المنازل والعقار تبدأ في الارتفاع حتى تتجاوز قدراته، ولو أنه كان حاسماً في اتخاذ القرار لكانت أرباحه أكثر من خسائره.

هذا ذكرني بقصة قديمة جرت أحداثها في مدينة أبها عروس الجنوب السعودي، حيث إنه في عام 1998 ميلادياً وحينما كان الأمير خالد الفيصل أميراً لمنطقة عسير، دعاني لحضور مهرجان المفتاحة، ومن مراسم هذا المهرجان، أنه يدعو شخصية مهمة لافتتاح المهرجان السياحي، وكانت شخصية ذلك العام الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية في حينه، وأثناء فعاليات المهرجان بشّرنا الأمير خالد الفيصل بأن السعودية ستسمح للمعتمرين والحجاج الذين يقدمون إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة بأن يتجوّلوا في مدن المملكة العربية السعودية بحرية تامة ودون قيود حتى تنتهي تأشيرة دخولهم.

استبشرنا خيراً، لأن انتقال الزوار بعد أداء المناسك سواء كان حجاً أو عمرة يحرك اقتصاد المدينة التي يقصدونها، عبر إشغال غرف الإيواء أو الغرف الفندقية أو غيرها، مروراً بتذاكر الطيران ونفقات المواصلات ومصاريف الأكل والشرب وغيرها، ما يحرّك اقتصاد المدينة وينفع قاطنيها.

كل تلك الأحلام والرؤى تبخرت لأن القرار لم يُتخذ في ذلك الزمان، كانت المخاوف أغلبها أمنية، وبغض النظر عن الأسباب التي دعت لعدم اتخاذ القرار في ذلك الوقت وقد تكون وجيهة، فإن التأخير أفقد السعودية الكثير من المكاسب.

وخسائر السعودية لعدم اتخاذ هذا القرار كبيرة جداً وأكثر من أن تُحصى ولنذكر أهمها، فبدلاً من أن تكون المدن السعودية واجهة للزوار الذين يقصدون مكة المكرمة والمدينة المنورة، بدأ الزوار يبحثون عن مدن أخرى قريبة لتكون وجهتهم. ثم إن المدن السعودية خسرت هؤلاء الزوار الذين يحركون اقتصاد المدينة ويفتحون فرص عمل لشبابها، بالإضافة إلى الكثير من المكاسب الاجتماعية التي تتحقق من انتشار زوار مكة المكرمة والمدينة المنورة في المدن السعودية مثل التعرف على ثقافات أخرى، والتعايش مع الغير، إلى غير ذلك من الفوائد الاجتماعية، كما أن بعض هؤلاء الزوار قد يكون مؤهلاً لتخصص تحتاج إليه المدينة فيجد فرصة عمل، وهُنا تكون الفرصة متبادلة بين المدينة وزائرها.

أنا هنا لم أحصر جميع المكاسب المتحققة، لأنها أكثر من أن تُحصى، كما أنني لا يمكنني أن أغفل بعض المخاطر أو الأعراض الجانبية التي سيفرزها هذا القرار، لكنها في النهاية محدودة مقارنة بالمكاسب، إضافة إلى قدرة الأجهزة السعودية على السيطرة على مثل هذه الأعراض.

القرار الذي اتخذته الحكومة السعودية الأسبوع الماضي وأعلنه وزير الحج د. توفيق الربيعة تأخر 24 عاماً لأسباب غامضة لا نعرفها على وجه الدقة، ولكن ما يهم أن نعرفه أنها كانت مماطلة من متخذ القرار لا جدوى منها ولا مبرر لها.

حسم مثل هذا الأمر الذي تأخر 24 عاماً قد يكسبنا مكاسب إضافية ويكون رافداً من روافد اقتصادنا طال انتظاره مدة طويلة، ولعلكم قراءنا الكرام تتابعون نتائج هذا القرار، وستجدون أن مكاسب الحسم أكبر من خسارة المماطلة. ودمتم.

 

 

نقلا عن الشرق الأوسط