قراءات في فقه المعاملات المالية (4)

10/04/2022 1
عادل عبدالكريم

استكمالا لما سبق الحديث عنه، سنحاول في هذه السطور تقديم شروحات مبسطة عن دور الفقه الاسلامي بشقه الخاص بالمعاملات في تطوير الاقتصاد والتمويل الاسلامي، وتحديدا سنحاول تقديم سطور مبسطة عن القواعد الفقهية الكبرى وتحديدا نماذج من قواعد أئمة المذاهب الفقهية في عصر الاجتهاد.

تعد هذه المرحلة مرحلة تأسيسية للفقه تألق فيها الاجتهاد وبرز بصورة مشرقة، ولذا ترى شواهد كثيرة في نصوص فقهية معبرة عن آراء الأئمة، وقع فيها التنبيه في شتى المناسبات على قواعد وضوابط فقهية، وهي في الغالب صيغت على شاكلة "الكليات"، ولأهميتها في إدراك التصور الواضح عن الفكر التأصيلي في عصر الاجتهاد لا بد من التعريج على نماذج ذات صلة بفقه المعاملات مثل "الإشارة عندي بمنزلة الكلام" و "شرط الضمان في القراض باطل".

وعلى هذا النمط تجد عبارات قواعدية عند الإمامين: محمد بن إدريس الشافعي (204هـ)، وأحمد بن حنبل (241هـ). فمن قواعد الإمام الشافعي: "كل ما له مثل يرد مثله، فإن فات يرد قيمته". "كل من كان مالكا، فماله ممنوع به محرم إلا بطيب نفسه بإباحته". "كل حق وجب عليه، فلا يبرئه إلا أداؤه". "كل حرام اختلط بحلال فلم يتميز منه، حرم". "كل غار لزم المغرور بسببه غرم رجع به عليه".

ومن قواعد الإمام أحمد: "كل بيع فاسد: يأخذ-فيه- القيمة ويتنزه عن الفضل". "كل شيء يتوارى فلا يباع حتى يخرج". "كل ما جاز فيه البيع، تجوز فيه الهبة والصدقة والرهن". "كل شيء يراد به التجارة، يقوّم ويزكى".

ومن الشائع الراسخ في أذهان كثير من المهتمين بهذا الموضوع أنه قد ظل التطور في صيغ القواعد مستمرا دون انقطاع، ولم يتم استقرارها على النمط الموجود إلا في المرحلة التي جرى فيها تدوين القواعد في كتب متخصصة لها. فهذا قد يكون صحيحا بالنسبة لطائفة من القواعد، إذ قد وجدت جملة كبيرة من القواعد في العصور المبكرة عند أئمة الاجتهاد وأتباعهم بصيغ محبوكة تضاهي الصيغ المتداولة في الكتب المتأخرة. ولنضرب أمثلة تكشف عن هذه الظاهرة فيما يأتي: "الإشارة تقوم مقام النطق". - قاله ابن خزيمة – . - "إذا ضاق الأمر: اتسع". – عن الإمام الشافعي- وقد ذكرها الإمام الخطابي بصيغة "الشيء إذا ضاق اتسع"، عازيا إلى الإمام الشافعي. ومن قواعد الإمام الشافعي أيضا: "الحكم للأكثر".

ففي هذه الأمثلة معالم واضحة على وجود صيغ جامعة وجيزة محكمة لعدد من القواعد في عصر الاجتهاد الممتد إلى القرن الثالث الهجري. على أن القرن الخامس الهجري هو العصر الذهبي الذي استقرت فيه صيغ القواعد، وكان لفكر الفقهاء الراسخين وأقلامهم الرصينة دور ملموس في حبكها وإحكامها. كما يستبين ذلك بالنظر في "المبسوط" للسرخسي (487هـ) من الحنفية، و"الإشراف" للقاضي عبدالوهاب (422هـ)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (449هـ) - كلاهما من المالكية-، و"المهذب" للشيرازي (476هـ)، و"نهاية المطلب في دراية المذهب" للجويني (478هـ) - من الشافعية -، والمسائل الفقهية من "كتاب الروايتين والوجهين" للقاضي أبي يعلى من الحنابلة (458هـ).

وخلال تلك الفترة ظهر التنوع البارز في صيغ القواعد، فربما عبر عن معنى قاعدة بأساليب متعددة متقاربة، وهذا ما تستدعيه خصوبة الفكر وحرية التعبير. وأدى ذلك إلى نماء الثروة في مجال القواعد.

على أن ذاك التراكم من نصوص القواعد في تلك القرون، لا يعني التوقف والركود، إذ قد أسفر كثير من الجديد في القرون المتلاحقة لدى الفقهاء المبرزين، كما يشهد لذلك ما وقع من قواعد لدى الإمام أبي عبدالله المازري (536هـ) في "شرح التلقين"، وعند الإمام عز الدين بن عبدالسلام (660هـ) في "قواعد الأحكام"، والإمام ابن تيمية (728 هـ) في مجموع الفتاوى، والإمام أبي إسحاق الشاطبي (790هـ) في "الموافقات"، فقد تميز كل واحد منهم بإبراز قواعد ذات أهمية وخصوصية.

بجانب إجراء التعديل في بعض الصيغ المتداولة قديما، يحسن التوجيه إلى إنشاء قواعد أخرى بتدقيق النظر في عبارات منقولة عن السلف، قريبة من القواعد في قوالبها ومفاهيمها، نابضة بتعليلات قوية، قابلة بأن تنقلب إلى قواعد، فبمجرد تصرف يسير في بعض ألفاظها، تراها تكتسي سمة القاعدة. وإليك أمثلة، تتضح بها الفكرة بجلاء: "لا يترك حق لباطل" وأصل هذه الصيغة المقترحة: ما أثر عن الإمام الحسن البصري (110هـ) من قوله: "لا تدع حقا لباطل" ومقتضى ذلك لا ينبغي إطلاق الفتوى بعدم جواز التعامل مع جهة ما لوجود عمليات محظورة فيما تقوم به من أعمال وممارسات تجارية، بل ينبغي التمييز بين أعمالها والتحري فيما يغلب عليها من الحلال أو الحرام، فسحب الحكم بالمنع دون النظر إلى جوانب سليمة ، يتنافى مع الأصل المشار إليه آنفا، بالإضافة إلى تقرره قواعد الشريعة الناطقة برفع الحرج وإقامة العدل في مثل هذه الحالات.

ومن العبارات المنقولة ايضا والتي اكتسبت صيغة القواعد: "لا ينزع شيء من أحد إلا بحق ثابت معروف" فأساس هذه الصيغة: قول القاضي أبي يوسف (ت 182هـ) في موضع من "كتاب الخراج": "ليس للإمام أن يخرج شيئا من يد أحد إلا بحق ثابت معروف". ويكاد يكون جليا أن هذه العبارة تعبر عن أصل قضائي مهم وهو عدم جواز انتزاع الملكية الخاصة، إلا بحق ثابت معروف لا إشكال فيه، على أنه يمكن وضعها على نمط القواعد بتعديل يسير...

 

المراجع:

1- المدخل إلى قواعد الفقه المالي، د. علي أحمد الندوي، معهد الاقتصاد الاسلامي، جامعة الملك عبدالعزيز.

2- الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان، زين الدين ابن نجيم، دار الكتاب العلمية.

3- القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة، محمد مصطفى الزحيلي، دار الفكر – دمشق.

 

 

خاص_الفابيتا