رحلة تطور إدارة المخاطر - الجزء الأول

23/02/2022 0
هادي

يعتقد بعض المؤرخين بأن أول ظهور لمفهوم إدارة المخاطر قد نشأ بسبب الألعاب Gaming. قبل الآف السنين حيث لعب الناس من مختلف الحضارات القديمة الألعاب المتنوعة، بالأدوات التي كانت متوفرة في زمانهم مثل العظام Bones والحصى والتي تمثل حجر النرد "زهْرُ النّرْد أو النرد" Dice في زمننا، كما لعب الناس الألعاب التي تطورت إلى الشطرنج Chess والداما Checkers قبل أكثر من ألفي عام كما يشير لذلك بعض المؤرخين في دراستهم للألعاب وتطورها في حياة الشعوب. كما تشير بعض الأدلة التاريخية على أن الألعاب أدت إلى ظهور نظرية الأحتمالات Probability theory، والتي تعد مهمة في إدارة المخاطر، والتي تبلورت من كتابات كل من "دانتي" Dante و "جاليليو" Galileo. كما كانت هناك كتابات متبادلة بين كل من علماء الرياضيات "بليز باسكال" Blaise Pascal  و "فيرما" Fermat   (بالفرنسية Pierre de Fermat) عن ألعاب الحظ في القرن السابع عشر (1600)، حيث يُعتقد أن هذه المراسلات أدت إلى بروز نظرية الأحتمالات المعاصرة Modern probability theory. 

تشير العديد من المصادر إلى أن بداية دراسة إدارة المخاطر بدأت بعد الحرب العالمية الثانية World War II، وقتها لم تكن إدارة المخاطر موضع إعتبار عند تخطيط المشاريع Planning projects، في الواقع لم تكن إدارة المخاطر موضع دراسة جادة حتى الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من عدم وجود كتب في هذا الموضوع خلال تلك الفترة الزمنية، ولم تكن هناك فصول Classes أو مساقات Courses مقدمة من قبل الجامعات حول هذا الموضوع. ومع ذلك يمكن القول بأن إدارة المخاطر الحديثة Modern risk management بدأت بعد عام 1955م حيث تم نشر أول مؤلفات أكاديمية في إدارة المخاطر في حقبة الستينات، حيث كان الكتاب الأول بعنوان " Risk management in the business enterprise" لكل من "Robert Irwin Mehr" و "Bob A. Hedges" في العام 1963م. هذا ويحظي المؤلفان بتقدير كبير باعتبارهما مؤسسي مجال إدارة المخاطر. كان عملية إدارة المخاطر وقتها مركزة حصريا على التعامل مع المخاطر المحضة (المخاطر البحتة/الصافية) أي المخاطر التي يصاحبها إما خسارة أو لا خسارة، مثل امتلاك منزل ربما يتعرض للحريق. ومع المخاطر البحتة (المخاطر البحتة/الصافية) لا يوجد سوى قد ضئيل من التقدم في إدارة المخاطر، حيث تكون الغاية أو الهدف الرئيس هو الحفاظ على ما أحرزته أي "لا خسارة"، وتتعلق إدارة المخاطر ككل بتخفيف المخاطر، أي تقليل احتمالية الفشل. 

وفي العام 1964م صدر الكتاب الثاني في إدارة المخاطر بعنوان "Risk management and insurance" لكل من "C. Arthur Williams" و "Richard M. Heins"، هذه الكتب كانت مبتكرة من حيث أنها تناولت إدارة المخاطر كموضوع متميز Distinct subject دون أن تأخذ بالأعتبار أمور أخرى مثل المخاطر المالية Financial risks والتي لها أهمية في المنظمات. ومن المثير للأهتمام هو ملاحظة أن موضوعات إدارة المخاطر المتعلقة بالتكنولوجيا Technology قد تم تطويرها في نفس الفترة أيضاً. 

هذا وتناولت هذه المؤلفات في محتوياتها إدارة المخاطر "البحتة" أو "إدارة المخاطر الخالصة" Pure risk management، والتي تستبعد المخاطر المالية للشركات Corporate financial risk. وفي موازاة ذلك، قام المهندسون بتطوير نماذج Models لإدارة المخاطر التكنولوجية Technological risk management. فالمخاطر التشغيلية Operational risk تغطي بشكل جزئي الخسائر التكنولوجية Technological losses. واليوم، المخاطر التشغيلية تتم إدارتها من قبل المؤسسات المالية Financial institutions، كما أن المهندسون يأخذون بالأعتبار المخاطر السياسية Political risk في المشاريع وفي إدارتهم لتلك المشاريع. 

لو طرحنا التساؤل التالي، هل هناك علاقة بين إدارة المخاطر والتأمين من زاوية تاريخية؟ من الممكن تتبع استخدام التأمين منذ العصور القديمة Ancient times، حيث تم توثيق المساعدات المتبادلة "التعاونية" و جمعيات الدفن منذ الأيام الأولى من روما القديمة Ancient Rome ، وهي ما يعتبر بواكير مفهوم وممارسة شركات التأمين المعاصرة. 

لو أردنا التطرق إلى أصول إدارة المخاطر Origins of risk management فلها مجموعة متنوعة من الأصول وتمارسها مجموعة واسعة من المهنيين. كانت أحد التطورات المبكرة في إدارة المخاطر في الولايات المتحدة الأمريكية من وظيفة إدارة التأمين Insurance management function. حيث أصبحت ممارسة إدارة المخاطر أكثر انتشارا وتنسيقاً co-ordinated في فترة الخمسينات، فقد أصبح دور إدارة مخاطر الشركات في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الخمسينات إمتداداً لقرارات شراء التأمين Insurance purchasing decisions. حيث أصبحت تكلفة التأمين باهظة Prohibitive وفترة التغطية التأمينية محدودة.

لقد أدركت المنظمات أن شراء التأمين أمر غير كافٍ، في حال كان هناك قلة اهتمام أو كانت حماية الممتلكات والأفراد غير كافية، وبالتالي أصبحت المنظمات "طالبة التأمين أو مشتري التأمين" تهتم بجودة حماية الملكية Property protection ومعايير الصحة والسلامة، والأمور المتعلقة بمسؤولية المنتَج Product liability وغيرها من الأمور والاهتمامات المرتبطة بالتحكم والسيطرة على المخاطر. 

بعد عام 1955م تم دمج مفهوم Concept الحماية الذاتية Self-protection في العديد من وظائف الشركات Corporate functions، مع تطبيق التأمين الذاتي Self-insurance للتعامل مع الأمور المتعلقة بتكاليف الحوادث Costs of accidents والأحداث غير المخطط لها Unplanned events. حيث بدأت الشركات الكبيرة ذات المحافظ الاستثمارية المتنوعة diversified portfolios للأصول "الموجودات" المادية Physical assets في تطور التأمين الذاتي ضد المخاطر، وشمل ذلك في الغالب خلق احتياطي مالي "مخصص مالي" Financial reserve  (احتياطي سيولة Liquid reserve of funds) يمكن استخدامه بسهولة والإحتفاظ به لتغطية هذه الخسائر، وخاصة في حالات التقلبات السلبية Adverse fluctuation (التقلبات السلبية في السوق Negative market fluctuation) غير المتوقعة Unexpected في السوق، أو الحوادث الصناعية Industrial accidents. فالتخفيف من المخاطر Risk mitigation الذي يستخدم بشكل متكرر frequently للحد من الآثار المالية Financial consequences  للكوارث الطبيعية Natural catastrophes هو شكل من أشكال التأمين الذاتي Self-insurance. وباختصار، فالغرض من الحماية الذاتية Self-protection هو المساعدة في الحد "التخفيف" Mitigate والتقليل من إحتمال Possibility حدوث خسائر، أو للمساعدة في إدارة تكاليفها قبل وقوعها. كما يجدر التنويه إلى أن جميع أنشطة الحماية Protection والوقاية Prevention هي جزء من إدارة المخاطر. 

التأمين الذاتي Self insurance أو Self-insure هو أحد أساليب إدارة المخاطر، كما يمكن أن نقول أنه نهج إدارة المخاطر Risk management approach، طبعاً هناك من يرى من الباحثين أن إطلاق مصطلح "التأمين" هو تسمية أو مصطلح خاطئ Misnomer، لأنه لا يوجد تأمين، وأنه من ينبغي أن يطلق عليها "الأحتفاظ بالمخاطر" Risk retention. 

أما بالنسبة للتأمين الذاتي كتعريف فهو نهج إدارة المخاطر الذي تقوم فيه المنظمة بتخصيص مبلغ مالي كحماية من الخسارة المحتملة، بدلاً من نقل المخاطر Transferring the risk عن طريق شراء بوليصة تأمين Insurance policy. كما يمكن تعريف التأمين الذاتي بأنه التأمين الذي تقوم فيه المنظمة أو الفرد بوضع أو تخصيص أو تحديد مجموعة من الأموال Pool of money لاستخدامها في معالجة وإصلاح Remedy الخسارة غير المتوقعة Unexpected loss. 

من الناحية النظرية، يمكن للشخص أن يأمن نفسه ضد أي نوع من الخسارة. ولكن عملياً، غالب الأشخاص يختارون "شراء" التأمين ضد الخسائر الكبيرة والنادرة المحتملة. على سبيل المثال، يختار معظم الناس شراء التأمين على السيارات وكذلك التأمين الطبي من شركات تأمين بدلاً من التأمين الذاتي ضد حوادث السيارات أو الأمراض الخطيرة.

قد يكون التأمين الذاتي ضد بعض الخسائر أمر أكثر فائدة من ناحية إقتصادية Economical أي أكثر توفيراً من شراء التأمين من طرف ثالث Third party في حال كانت الخسارة أو الخسائر أكثر قابلية للتنبؤ وحجمها وأثرها ضئيل. الفكرة هي بما أن شركة التأمين Insurance company تهدف إلى تحقيق الربح عن طريق فرض أقساط التأمين Charging premiums أكثر عن الخسائر المتوقعة Expected losses، وهنا ينبغي أن تكون الجهة المؤمنة "المنظمة" ذاتياً قادرة على توفير المال عن طريق تخصيص الأموال التي كان من الممكن دفعها كأقساط تأمين Insurance premiums. 

على سبيل المثال، قد يختار ملاك مبني يقع قرب تلة مجاورة لسهول الفيضانات عدم دفع أقساط سنوية Annual premiums باهظة للتأمين ضد الفيضانات Flood insurance، ولكن بدلاً من ذلك يختارون تخصيص أموال لإصلاح المبنى في حالة حدوث إحتمالية نسبية أن مياه الفيضانات المتجمعة سترتفع بما فيه الكفاية بالشكل الذي يهدد بحدوث ضرر في المبنى.

خلال الستينات برزت أهمية التخطيط للطوارئ Contingency planning من قبل المنظمات، حيث كان هناك تركيز يتجاوز تمويل المخاطر Risk financing إلى الوقاية ومنع الخسائر Loss prevention وإدارة السلامة Safety management. وخلال السبعينات، تم الأهتمام بشكل أكبر في تطوير ممارسات التأمين الذاتي Self-insurance والاحتفاظ بالمخاطر Risk retention داخل المنظمات، وكذلك تطورت خطط الطوارئ Contingency plans إلى تخطيط استمرارية الأعمال Business continuity planning وخطط التعافي من الكوارث Disaster recovery plans (أي القدرة على العمل أو استئناف العمل بعد الكوارث). في الوقت نفسه خلال الستينات والسبعينات، كانت هناك تطورات كبيرة في نهج إدارة المخاطر الذي تبناه ممارسي الصحة والسلامة المهنية Occupational health and safety practitioners. 

إن النهج المشترك Combined approach لتمويل المخاطر Risk financing  والسيطرة على المخاطر Risk control والذي تم تطويرها في أوربا خلال السبعينات بالإضافة لمفهوم التكلفة الكلية "الإجمالية" للمخاطر Total cost of risk غدت من الأمور ذات الأهمية العالية لدى المنظمات. ففي اقتصاديات الأعمال فإن تمويل المخاطر Risk financing  يهتم بتوفير المخصصات المالية تحسباً لتغطية الآثار المالية للخسائر غير المتوقعة التي قد تتعرض لها المنظمة للموائمة بين المخاطر التي تكون المنظمة على استعداد لتحملها مع قدرتها على الدفع مقابل تلك الخسائر. بالتالي تقوم المنظمات بتحديد أسلوب وكيفية قيامها بدفع هذه الأموال مقابل الخسائر التي قد تحدث وذلك بأكثر الطرق فعالية مع أقل تكلفة ممكنة. بالتالي هذا النهج يركز على تحديد المخاطر، ويحدد طرق/أسلوب التمويل ويراقب فعالية طرق/أسلوب التمويل. 

وبعد أن أصبح هذا النهج راسخاً، ووجود العديد من المخاطر التي تواجه المنظمات غير المؤمنة Not insurable، بالتالي تم تطبيق أدوات وتقنيات إدارة المخاطر على المجالات الأخرى في المنظمات. 

في سبعينيات القرن الماضي، حدثت ثورة Revolution في مفهوم إدارة المخاطر في القطاع المالي Financial sector، عندما أصبحت إدارة المخاطر المالية ذات أولوية لكثير من الشركات بما في ذلك البنوك وشركات التأمين والمؤسسات غير المالية Non-financial enterprises المعرضة لتقلبات الأسعار Price fluctuations المختلفة مثل المخاطر المرتبطة بأسعار الفائدة Interest rates وعوائد سوق الأسهم Stock market returns وأسعار الصرف Exchange rates وأسعار المواد الخام Raw materials أو السلع Commodities.  

هذه الثورة ناجمة عن الزيادة الكبيرة في تقلبات الأسعار بالتالي سرعة التغير في كلفة المنتجات والخدمات بسبب فقدان إستقرار قيمة العملة وعلى وجه الخصوص اختفاء تعادلات العملة الثابتة Fixed currency parities. 

في فترة الخمسينات والستينات تم تطوير أحد النماذج التي أستندت إليها نظريات Theories إدارة المحافظ الاستثمارية Portfolio management وهي (CAPM) Capital Asset Pricing Model نموذج تسعير الأصول الرأسمالية. ولكنه لم يبرز إلا خلال الثورة المذكورة أي خلال فترة السبعينات. 

في السنوات الأخيرة من نهاية الثمانينات، أصبحت الأسواق متقلبة للغاية، مما دفع الأنظمة المصرفية الأمريكية US Banking systems للبدء في تطوير نماذج جديدة قائمة على المخاطر Risk based models. وقد برزت في تلك المرحلة المؤسسة المالية Financial institution المعروفة JP Morgan حيث توصلت إلى ما يعتبر في عصرنا الحاضر من أفضل نماذج إدارة المخاطر Risk management models المتعارف عليها ومنها نموذج Risk Metrics والذي يستخدم في المقام الأول Primarily لتحليل المخاطر في السوق Marketplace. وبسبب هذا المقياس Metric برز مفهوم "القيمة المعرضة للخطر" (VaR) Value-at-Risk كوسيلة لقياس المخاطر. حيث تم جلب القيمة المعرضة للمخاطر من شركات التأمين، هذه الشركات التي أستخدمت طرقاً Methods لتحديد Determine الحد الأقصى Maximum للخسارة المحتملة Possible loss التي قد يتعرضون لها من أي أستثمار. 

نموذج Credit metrics كان أحد النماذج التي تم تطويرها لتحديد مستوى المخاطر المرتبطة باستثمار ائتماني Credit investment معين. أصبح تقديم الائتمان، لاسيما منذ أن أصبحت شركات/مؤسسات المصدرة للبطاقات الائتمانية Institution of credit cards، جزءاً مهما للغاية في العديد من نماذج الأعمال Business models، وكان من الضروري إيجاد طرق مناسبة لتقييم المخاطر التي ينطوي عليها هذا المبلغ خصوصاً إذا كان غير مسبوقِ بعملية إقراض Lending من شركة تمويل أخرى. 

ونود التأكيد على أن ما تم ذكره من النماذج السابقة هي بمثابة نظرة عامة على أسس التقنيات الحديثة لإدارة المخاطر، وهي بالكاد تخدش سطح كل ما يمكن معرفته عن إدارة المخاطر. وهو ما يقودنا إلى التأكيد على أن نفهم بأن إدارة المخاطر هي جزء من كل نموذج أعمال جيد، وفهم الأسس Foundations والمبادئ Principles التي تنطوي عليها تنفيذ Implementation إدارة المخاطر مهمة جداً لنجاح المنظمات.

 
 
 
 
 
خاص_الفابيتا