الاقتصاد التركي

30/11/2021 2
فواز حمد الفواز

هناك حالة تناقض في الاقتصاد التركي، فمن ناحية النمو الاقتصادي يتوقع أن يصل إلى 9 في المائة هذا العام طبقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، وبنسبة لم يعل عليها عدا الهند، كذلك هناك نمو في الصادرات، ومن ناحية أخرى سجلت العملة انخفاضا حادا من نحو 1.8 ليرة مقابل الدولار إلى نحو 12.4 حاليا "إقفال الجمعة الماضية"، انخفاض يصل إلى 85 في المائة على مدى عقد تقريبا وتضخم يصل إلى 20 في المائة، بما في ذلك من تآكل دخل الأغلبية وازدياد الفقراء. المعروف في الاقتصاد التقليدي أن التضخم يحارب برفع نسبة الفائدة، بينما تركيا تسعى إلى تخفيضها، بل الاستعداد لعزل رئيس البنك المركزي أكثر من مرة بسبب معارضته خفض الفائدة. تناقض في فهم الخيار الاقتصادي. محاولة فهم ما يجري في تركيا اقتصاديا يأتي من زاويتين، الأولى من زاوية الاقتصاد السياسي. والثانية من زاوية الحيثيات الاقتصادية الاعتيادية. التغيير المتكرر لقيادة البنك المركزي ربما يساعد على فهم أزمة الليرة.

القاعدة الشعبية للحزب الحاكم تقوم على قطاع الإنشاءات والسياحة - قطاع يعتمد على القروض العالية - ولذلك سعى إلى خفضها لإنقاذه، خاصة في ظل أزمة كورونا، وربما اعتقادا بأن النمو وحده كاف لإنقاذ الاقتصاد مع الوقت. الإشكالية أن هذه السياسات تسببت في حالة من عدم اليقين أثرت في هجرة الأموال ونقص في الاستثمارات الأجنبية المباشرة. فمقارنة بعام 2020، جذبت تركيا نحو سبعة مليارات دولار استثمارات، أقل من شيلي وبولندا وإندونيسيا والمكسيك والبرازيل.

الزواية الثانية تتمخض في مرحلة وطبيعة الاقتصاد التركي. فتركيا بدأت مرحلة اقتصادية ناجحة على أثر الأحداث وقروض وتوصيات من صندوق النقد الدولي استهل بها الحكم الجديد في تركيا عام 2002، لكنها تدريجيا وحثيثا في الأعوام القليلة الماضية بدأت تضل الطريق. تركيا بلد صناعي متوسط، فهي ليست كوريا - على سبيل المثال - في اكتمال الروابط التصنيعية أفقيا ورأسيا، وليست على عتبة التصنيع الحديث مثل رقائق الموصلات الإلكترونية والبطاريات الكهربائية أو البرمجيات، إضافة إلى أن تركيا بلد مستورد للطاقة ويعتمد على السياحة لنحو 10 في المائة من الدخل الإجمالي، عوامل لم تساعد تركيا أخيرا.

تعاني تركيا خللا في الحساب الجاري لارتفاع الاقتراض، وعجز الحساب الجاري جعل العملة تحت ضغط دائم. تخفيضها جاء بسبب أن أسعار الفائدة الحقيقية سلبية، وبالتالي هجرها المستثمر والمضارب. الإشكالية أن دور انخفاض العملة في نمو الصادرات محدود لسببين، الأول أن تركيا بلد مستورد للمعدات التصنيعية الوسطى والمتقدمة الضرورية لتمكينها صناعيا، والثاني أن كثيرا من الشركات التركية تقترض بالعملة الصعبة، وجزء مهم من دخلها مقوم بالعملة التركية، ما يرفع تكلفة تسديد القروض ويدخل الشركات في دوامة سلبية. انخفاض العملة ربما يساعد السياحة، لكن مساعدة التصدير محدودة لأغلب الصناعات.

دخلت تركيا دوامة مالية واقتصادية كبيرة، خاصة أن الدين يصل إلى 450 مليار دولار وأسعار الفائدة على الدولار أقرب إلى الارتفاع منها إلى النزول. الأحرى أن تكون تركيا في وضع اقتصادي ومالي يجعلها قادرة وأكثر مرونة للتكيف مع نهاية حقبة الفوائد المنخفضة، وذلك بالسيطرة على مستوى التضخم واستقرار سعر صرف العملة، ولا سيما أن الأساسيات الاقتصادية لا تعكس هذا الارتفاع، لكن هناك ريبة وشك في سلامة القرار الاقتصادي.

 

نقلا عن الاقتصادية