كلّ بعقله راضيّ لكن بماله لا

25/04/2020 0
عبدالله الجعيثن

حتى أحمق الحمقى، وأجهل الناس، لا يرضون بعقولهم بديلاً، فهم عن عقولهم راضون كل الرضا، في أغلب الأحوال..

وإذا فشلوا علقوا أسباب الفشل على الخط الرديء.. أو على حسد الحاسدين.. أو على الوضع العام.. أما أن يعيدوا الفشل إلى قلة العقل فهذا أبعد ما يكون..!!

حاشا وكلا أن يشك أحمق في تمام عقله.. أو جاهل في ضعف عقله!!.. ولله حكمة.. جل وتبارك في علاه.. فلولا رضا الناس بعقولهم ما سارت الحياة بهذا الشكل الجميل!..

ولولا عدم رضا الناس.. أكثر الناس.. بما لديهم من مال.. مهما كثر.. لما تواصل العمل.. واستمر الطموح.. لو كان الإنسان يرضى من المال بما يكفيه لمات طموحه وزاد خموله وربما هجر العمل واستلذ الكسل وعاد عضواً غير فاعل في المجتمع..

على أن عدم رضا الإنسان بما له.. مهما كثر.. وطمعه في المزيد.. أمر يشقي الإنسان غاية الشقاء.. ويجعله هو والفقير سواء.. فلا هو يسعد بما لديه من مال ونعم، ولا هو يصبح راشداً في توزيع وقته وإعطاء كل ذي حق حقه.. بل إنه قد اشتغلت في صدره مراوح الطمع تشب عليه، واشتعلت نار شهوته للمزيد من المال حتى تحرق صحته ووقته وكثيراً ما يضيع عبدالمال حق ربه.. ونفسه.. وأهله.. ليكتشف آخر الأمر أنه كان يلهث وراء سراب في سراب.. يدرك هذا حين يذهب الشباب وينحني الظهر ويشتعل الرأس بالشيب ولا يعود قادراً أصلاً على الاستمتاع بالمال!

ولكن رغم أن بعض المسنين لديهم قناطير مقنطرة من الذهب والفضة فهم لا يزدادون مع الشيخوخة والشيب إلا تكالباً على المال وشهوة مرضية له وجعله غاية لا وسيلة، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ما حدثنا به، ففي الحديث الشريف:

(يشيب الإنسان ويشب معه خصلتان: الحرص وطول الأمل).

وفي حديث آخر:

(لو كان لابن آدم واديان من ذهب لاتبغى إليهما ثالثاً.. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.. ويتوب الله على من تاب..).

والناس أصناف: فأكثرهم راحة بال وأقلهم انشغالاً من زادت قدرته ورزقه عن طموحه وتطلعه..

وأشقاهم نفساً وأشغلهم بالاً من زاد تطلعه وطموحه عن قدرته ورزقه..

ولذلك كان كثير من الصالحين يدعون:

يارب وسِّع الدنيا علينا وزهِّدنا فيها

ولا تضيٍّقها علينا وترغبنا فيها..

والأحمق.. والغبي.. والجاهل.. غالباً لا تنفعهم حكمة الحكماء ولا نصائح الناصحين ولا مشورة المخلصين لأنهم عن عقلهم راضون..

كم حكمة عند الغبي كأنها

ريحانة في راحة المزكوم

بسمت محاسنها لوجه كالح

ما أضيع المرآة عند البوم!

ويرى الشاعر الآخر ان الأحمق ليس راضياً بعقله فقط.. بل إن حماقته قرة عينه.. لأنه يعتبر نفسه سيِّد العقلاء:

(قرة عين الأحمق الحماقه

كل فتى ملائم أخلاقه)

أما شاعرنا الاجتماعي إبراهيم بن جعيثن فيرى أن الناس مختلفو الأطباع بشكل عجيب، وفرق كبير، وأن أعمى الرأي يعتقد أن رأيه سديد، بل هو أفضل الآراء في نظره:

أرى الناس مختلفين الاطباع كلهم

وكل عمى رايه لديه سداد

فالطبع عضو، يد ثالثة، وهو كالجبال الثابتة، يكاد يستحيل تغييره إلا بإرادة من فولاذ وبصيرة نافذة وصبر على مجاهدة النفس..

يقول لويحان التميمي:

والطبع ما ينزال غيره بتبديل

مثل (الجدي) مرساه ليله نهاره

والحنظله لو هي على شاطي النيل

زادت مرارتها القديمة مراره!

ويقول أبونواس:

لا تراجع الأنفس عن غيِّها

ما لم يكد منها لها زاجر

وقريب منه قول راشد الخلاوي:

وقلب الفتى وان كان ما فيه واعظ

ولا من حديث المصطفى لان جانبه

ولا من كلام ذاب الاجبال يا فتى

ما يتَّعظ لو شاف الاطواد ذاهبه

 

نقلا عن الرياض