هل يتجه العالم إلى مزيد من العزلة الاقتصادية؟

02/07/2018 0
د. عبدالله الردادي

نشهد اليوم تغيرات مخيفة في أرقام الاستثمار الأجنبي حول العالم، ولا تنطبق هذه التغيرات على دولة بعينها، بل شملت كثيراً من دول العالم. فقد انخفض مجموع الاستثمار الأجنبي بما يقارب 43.1 تريليون دولار في العام المنصرم، وهو ما يشكل 23% من نسبة الاستثمار الأجنبي، وفي الولايات المتحدة وحدها انخفض الاستثمار الأجنبي من 457 مليار دولار في عام 2016 إلى 275 مليار في العام الماضي، لتضيق الفجوة بينها وبين الصين ذات الاستثمارات الأجنبية المقدرة بما يساوي 136 مليار دولار. أما في بريطانيا فقد انخفض الاستثمار الأجنبي من ذروته البالغة 196 ملياراً عام 2016، إلى 15 مليار دولار فقط! فلمَ هذا الانخفاض الحاد في أرقام الاستثمارات الأجنبية المباشرة في وقت كان الجميع يتطلع فيه إلى مزيد من التكامل الاقتصادي العالمي؟

لا شك أن التغييرات السياسية الحاصلة خلال العام الماضي أثّرت كثيراً على الناحية الاقتصادية، فخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم يساعدها كثيراً في زيادة الاستثمارات الأجنبية إليها، أما الولايات المتحدة وهي رائدة العالم في الاقتصاد الحديث، فقد ساهمت بشكل مباشر في انخفاض أرقام الاستثمارات الأجنبية. وهو تحليل مبنيّ على وقائع حاصلة، فقد أقر الرئيس دونالد ترمب مؤخراً نظاماً ينص على أن أي عملية استحواذ صيني لشركة أميركية أو شراكة استراتيجية بين شركتين أميركية وصينية يجب أن تُدقَّق من قبل لجنة أميركية مشرفة على الاستثمار الأجنبي، ولهذه اللجنة الحق في رفض هذا الاستثمار بداعي «الأمن الوطني»، والسبب المعلن من أميركا هو إيقاف التسرب التقني الحاصل من أميركا إلى الصين. هذه السياسة سببت انخفاض الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة بنسبة 90% خلال العام الجاري، وتبلغ الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة 8.1 مليار دولار حالياً مقارنةً بـ46 مليار دولار في عام 2016، ولا يشك عاقل في أهمية الاستثمار الأجنبي للولايات المتحدة، فهو يوفر –حسب المصادر الأميركية نفسها– ما يقارب 13 مليون وظيفة للأميركيين.

وخلال الحرب الاقتصادية الحالية بين الصين والولايات المتحدة، طالبت الأخيرة الصين بتحرير الصناعات الصينية وتسهيل ملكية شركات أجنبية لبعض الشركات الصينية، وقد أقرّت الصين مؤخراً تخفيف «القائمة السلبية» (وهي قائمة الصناعات المحظور ملكيتها من مستثمرين أجانب في الصين)، سامحة بذلك بالملكية الأجنبية لصناعات مثل التعدين وصناعة السفن والطائرات والشبكات الكهربائية. وللصين في ذلك فلسفة صريحة، ألا وهي حماية الصناعات المحلية من المنافسة الخارجية حتى تصل هذه الصناعات إلى مستوى يمكّنها من منافسة الشركات العالمية. وعلى الرغم من قرار تخفيف «القائمة السلبية»، فإن الصينيين يؤمنون بأن أميركا لا تنوي الاستثمار في الصناعات الصينية، لأن الرئيس ترمب لا يريد للشركات الأميركية الاستثمار خارج الولايات المتحدة، بل يريد منها الاستثمار في أميركا لتوفير عدد أكبر من الوظائف، ولعل هذا التحليل يدعم بقرار الرئيس الأميركي الساري بتخفيف الضرائب على الشركات في أميركا.

وفي الوقت ذاته، فإن التجارة العالمية لا تعيش أفضل أوقاتها مع البداية الحقيقية للحرب الاقتصادية والمتوقعة بحلول السادس من يوليو (تموز) الحالي، وهو التاريخ الذي تبدأ فيه الولايات المتحدة فرض رسوم على منتجات صينية تبلغ قيمتها 34 مليار دولار، وحينما هددت الصين بفرض رسوم انتقامية على هذا القرار، كان الرد الأميركي أن المزيد من الضرائب يمكن أن يُفرض على ما قيمته 450 مليار دولار من المنتجات الصينية. هذه الحِدّة في السياسات تماثل ما يحدث بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك بعد قرارات الولايات المتحدة فرض رسوم جمركية إضافية على منتجاتها.

جميع هذه الأحداث تشير إلى أن الشكل العام الاقتصاد العالمي بدأ فعلياً في التغير، فالولايات المتحدة الداعم الأول للتجارة الحرة، لم ترَ بداً من رمي هذه الشعارات خلف ظهرها حينما يتعلق الأمر باقتصادها الوطني، بل واتبعت بذلك النموذج الصيني الذي يؤيد استخدام سلاح الانغلاق الاقتصادي لدعم الصناعات المحلية. والمنظمات الكبرى مثل منظمة التجارة العالمية لم تسهم بشكل فعال في حل هذه المشكلات الاقتصادية، على الرغم من أن هذه الحرب ستضر بالكثير من الدول، لا سيما الدول الصناعية التي تسهم في سلسلة التوريد للصناعات الأميركية والصينية مثل الهند وتايوان وكوريا الجنوبية. ولعل هذا الزمن هو زمن فض شراكات قديمة وتكوين شراكات جديدة، فالشركات الصينية الخارجة من السوق الأميركية لا بد لها أن تستثمر في بلدان أخرى، والفراغ الذي خلّفته هذه الشركات في أميركا لا بد له أن يُملأ بشركات غيرها. ورؤوس الأموال التي خرجت من الاستثمارات الأجنبية تبحث عن بيئة استثمارية آمنة تستطيع الاستثمار فيها على المدى الطويل، دون القلق بشأن الصراعات السياسية الحاصلة بين القوى الاقتصادية في العالم.

 

نقلا عن الشرق الأوسط