التعقيد الاقتصادي والاستثمار الصناعي

29/03/2024 0
البدر فودة

تنقسم المنتجات إلى ثلاث مستويات من حيث التعقيد الاقتصادي. المنتجات الأعلى تعقيداً هي تلك التي تحتاج إلى كم كبير من المعرفة لإنتاجها، وتساهم بالنصيب الأكبر في انتاجية الاقتصاد، وتعتبر الأعلى في انتاجية العامل في المصنع. كما أنها هي المنتجات التي تساهم بالعائد المادي الأكبر مقارنة بحجمها لا سيما في الصادرات. يلي ذلك المنتجات ذات التعقيد المتوسط ثم المنخفض. تعتبر المنتجات ذات التعقيد المرتفع من المنتجات التي تتميز بها بعض دول العالم، إذ يصعب الاستغناء عنها أو حتى تقليدها إلا بوجود قدر كبير من المعرفة للقيام بانتاج منتجات تحاكيها. أما المنتجات المنخفضة التعقيد فهي تلك التي غالباً ما تباع بالوزن أو ثمن منخفض بغض النظر عن امكانية الاستغناء عنها، لكن بالتأكيد يسهل انتاجها او تقليدها, وحتى تبدو الصورة أوضح، فإن انتاج اغلب المحاصيل الزراعية ممكن وسهل. كما أن انتاج صلصة غذائية، أو مخبوزات عادية او مسحوق غذائي معبأ يعتبر من الصناعات الممكنة بقدر منخفض أو متوسط من المعرفة والامكانيات. وبالتالي، فإن اسعار اغلب المحاصيل الزراعية او منتجات الصناعات التحويلية ذات التعقيد المنخفض او المتوسط معقولة وفي المتناول. وعند ادخال تحسين او تحسينات على المنتج ذو التعقيد المتوسط أو المنخفض مثل اطالة صلاحية المنتج الصناعي، أو تحسين الانتاج الزراعي، فإننا بذلك نضيف معرفة جديدة تعود على المنتج بربح اضافي وترفع من تعقيد المنتج.

أما عند الحديث عن أجهزة الحاسوب، والمحركات، واللوحات الاليكترونية، ومعالجات الحواسيب، وصناعة الطائرات، واشباه الموصلات، والأدوية الجينية وغيرها، فهنا يكمن التعقيد المرتفع، والعائدات المرتفعة على قدر التعقيد، واعتمادية العميل وقلة المنافسة وغيرها. وحيث أن هذه الصناعات تتطلب قدراً كبيراً من المعرفة مع تزامن في قلة عدد العاملين في بعض الصناعات من هذا النوع، فإن انتاجية العامل في هذه الصناعات تزيد بقدر كبير عن العامل في الصناعات منخفضة ومتوسطة التعقيد. وهذه الانتاجية تنعكس على الانتاجية القومية للبلد الذي ينتج هذا النوع من المنتجات. ليس ذلك فحسب، بل إن اعتمادية الدول الأخرى على البلد الذي ينتج هذا النوع من المنتجات كبيرة. إذ لا يمكن أن نتخيل الاستغناء عن الحواسيب، أو الطائرات، أو الأجهزة الذكية أو الأدوية الجينية أو غيرها من المنتجات، آخذين في الاعتبار أن الدول التي تطور هذه المنتجات وتصنعها محدودة نسبياً في العالم. وهذه المنتجات تعتبر مما خف وزنه وغلا ثمنه نسبياً أيضاً.

أما على صعيد ترتيب الدول، فإن اليابان هي الأعلى تعقيداً اقتصادياً في العالم، تليها سويسرا ثم كوريا الجنوبية ثم المانيا بحسب مؤشر التعقيد الاقتصادي. وتحتل المملكة العربية السعودية المرتبة ٣٦ من ١٣٣ عالمياً وتعتبر الاولى في الشرق الاوسط.

وللوصول إلى مراتب متقدمة في التعقيد الاقتصادي، تحتاج الدول إلى تنويع الأنشطة الاقتصادية، وخلق المزيد من فرص العمل التي تتطلب مهارات مرتفعة، وتحسين بيئة العمل وبيئة الاستثمار، وتعزيز قدرة المستثمر على الوصول للتمويل، والتكامل الاقتصادي اقليمياً ودولياً مثل التكامل في سلاسل الامداد، والثورة الصناعية الرابعة، وتطوير القدرات البشرية وغيرها. وتتفق رؤية المملكة ٢٠٣٠ وحراكها اليوم مع التوجه العالمي في تحقيق مواقع متقدمة في محور التعقيد الاقتصادي والذي يعتبر من أساسياته تنويع مصادر الدخل.

أما بالنسبة لمن يبحث عن الفرص الاستثمارية من القطاع الخاص، فإنه وبلا شك، الاستثمار في المنتجات ذات التعقيد الاقتصادي المرتفع يؤتي ثماره بشكل جيد، لكنه يحتاج إلى بحث وتطوير وابتكار مستمر. وفي مقابل ذلك، قد لا يحتاج المستثمر إلى حماية من المنافسة أو الدعم والاعانات الحكومية وغيرها من وسائل رفع تنافسية المنتج، إذ أن المنتج مطلوب، وقد لا يفي العرض بالطلب. للقاريء أن يتخيل قرار مصنع للمعالجات الذكية رفع سعر البيع ٥٠٪؜ مثلاً، أو ارتفاع سعر اشباه الموصلات، او ارتفاع سعر دواء للأمراض المعدية أو الخبيثة أجارنا الله واياكم وهكذا. إذن، فإن من الحكمة بمكان، الاستثمار في منتجات تعود بربح كبير على المستوى الاستثماري للشركة والاقتصادي الكلي للبلد.

أما المنتجات ذات التعقيد المنخفض والمتوسط، فغالباً ما تتنافس على هوامش ضعيفة وكميات كبيرة. وتجد الدول ذات العمالة الرخيصة، والأنظمة الغير مطبقة جزئياً أو كلياً، هي تلك التي تتسابق لانتاج هذا النوع من المنتجات ثم تغرق العالم بها. وفي الأغلب، تجد أن مصنعي هذا النوع من المنتجات محلياً يحتاجون إلى حماية من الواردات. فعلى سبيل المثال، نجد أن الدول والتكتلات الاقتصادية تفرض رسماً جمركياً مرتفعاً على واردات المحاصيل الزراعية والأسماك والصناعات منخفضة ومتوسطة التعقيد حتى تحمي انتاجها المحلي. ونستثني بالطبع السلع التي لا يتم تصنيعها محلياً من مواضيع الحماية إذ أن لها استثناءات خاصة.

وفي معرض حديثنا عن المنتجات عالية التعقيد وفوائدها على المستثمر والدولة، لابد أن نأخذ في الاعتبار أن بعض المنتجات ذات التعقيد المتوسط والمنخفض تعتبر متصلة بالأمن الغذائي والصحي والدفاعي. لذا، قد لا يكون هناك مناص من حمايتها لتحقيق الأمن. كما أنها قد تتصل بسلاسل الإمداد وسلاسل القيمة بتلك المنتجات ذات التعقيد المرتفع. لذا، فإن توطين وتشجيع وحماية بعض هذه الصناعات يعتبر من الأولويات، وإلا قد تتعطل القدرة لانتاج المنتجات ذات التعقيد المرتفع، أو تزيد الاعتمادية على دول أخرى لاستيراد المدخلات الصناعية ذات التعقيد الأقل، مما قد يعرض الاقتصاد للخطر.

وأخيراً، تسعى الدول لزيادة تعقيد اقتصادها، لما لذلك من اتصال مباشر بزيادة الناتج المحلي، وانتاجية العاملين، ورفع الصادرات، وزيادة اعتمادية الدول والأسواق العالمية عليها. ويبحث المستثمر عن فرص تحقق أعلى عائد استثماري ممكن، مع أقل منافسة ممكنة، وهذا قد يتوفر في العديد من المنتجات ذات التعقيد الاقتصادي المرتفع.

 

إن اصبت فمن الله، وإن اخطأت فمن نفسي

 

 

 

خاص_الفابيتا