ثلث مع العقال وثلث مع المهبّل وثلث لا تشوفه الشمس

23/12/2015 28
عبدالله الجعيثن

 قبل أن يتطور علم الاقتصاد، إن كان الاقتصاد علماً، لأنه - في الواقع - مجرد نظرية..

أقول: قبل أن تظهر نظريات الاقتصاد، وتُنْشر، وقبل أن تعرف (صناديق التحوُّط) وتعمل.. نجد في تراثنا الأدبي، ومأثورنا الشعبي، ما سبق كثيراً من نظريات الاقتصاد ومدارسه.. وتفوَّق على (صناديق التحوُّط) برجاله المؤهلين ووسائله..

وقبل أن يشتهر المثل العالمي:

(لا تضع البيض في سلّة واحدة).

قال الفاروق، عمر بن الخطاب، رضي الله عنه وأرضاه:

(فرِّقوا بين المنايا).

وهو قول موجز، بليغ، من عبقري عظيم، يدعو أهل الحلال، من الإبل والأغنام، إلى عدم جمعها في مكان واحد، حتى لا تُعدي بعضها البعض إذا مرضت فربما تموت كلها! فمن التحفظ والحزم أن تُفرِّق في عدة مواضيع.. وبعيدة عن بعض.. فلا تنتشر العدوى إذا أصاب بعضها مرض.. مع وجوب عزل المريض..!

وأجدادنا القريبون متحفظون، حذرون، ولا تثريب عليهم ولا لوم، فما مرَّ بهم من فقرٍ وجوع، وما تتصف به بيئتهم من شح وقحط، وقلة مطر، وسوء في الجو، جعلهم يلزمون جانب الحذر الشديد، ويأخذون بأسباب الحيطة البالغة، وعدم الاعتراف إلا في ظل التأكيد التام، فهم يقولون في الأمثال:

(لا تقل بَرٍّ لين توكي الغرارة).

والغرارة هي (الخيشة) الكيس، فإذا رأي أحدهم زرعه قائماً على سوقه، قد امتلأت سنابه، وحان حصاده، وقال فرحاً: لديّ من (البُرّ) ألف صاع، قال له العقال: (لا تقل برّ لين توكي الغرارة) ذلك بأنه قد يأتي طوفان قبل حصاد بأيام فيجرفه كله، وحتى وقت حصاده قد تهب عاصفة هائلة تلجئ الحصادين إلى البيوت خوفاً من الموت (ما هو وقت حصاد.. ما روح ما بعدك روح..!) فتجعل العاصفة كل ذلك القمح هشيماً يذهب مع الريح.. بل وحتى بعد الحصاد، وقبل أن تُربَط على القمح الأكياس، ويُشَدُّ الوثاق (تمام التمام) فقد تهب عاصفة عاتية وتطير بحبات القمح المحصود كما تطير بذرات الرمال!

ومن مأثور أقوالنا في التجارة والتجار:

التجار الثلاثة:

* تاجر: وهو الذي يعمل بنصف رأس ماله، ويرفع نصفه الآخر للاحتياط، وأوقات الكساد!

* تويجر: وهو الذي يعمل برأس ماله كله.. والتصغير هنا للتهوين والتخويف!.. فما إن تهب رياح الكساد، وتقف الأسواق، حتى يصبح عمله مجرد (هشّ الذبان!) ويضطر للبيع بخسارة، لكي يكد على عياله، ويعطى صاحب (الدكان) إيجاره، والصبيان معاشهم، إن كان عنده صبيان!

* وسماد التجار: وهو الذي لا يكتفي بالعمل برأس ماله كله! بل يستدين من الناس! يغريه الطمع ويعميه الجشع فيستدين العشر اثنا عشر أو خمسة عشر أو عشرين!! حسب طمعه وسمعته التي هي غالباً في مهب الريح!.. فهذا في الغالب مصيره الإفلاس!

ثلث المكّده حطها في بعارين والثلث خرّج منه واضبط حسابه

والمقصود هنا (بالسماد) أكرمكم الله، أن هذا الصنف من أدعياء التجارة وهو الذي يغذي ثروات التجار الحقيقيين، لأن مصير بضاعته البيع في المزاد! وبأرخص الأثمان! فبضاعته مرهونة (للديانة) فما أن يعجز عن السداد، حتى يجتمع عليه الدائنون كالذباب! ويبيعون بضاعته برخص التراب!.. فهُم، همهم استيفاء ديونهم ورفيقهم من يدفع (كاش) ولن يدفع إلا التجار الراسخون المتحفظون، والمنتظرون لمثل هذه اللحطة، فيشترون بضاعة المسكين بنصف ثمنها، فيخسر نصف رأس ماله الأصلي، ويخسر النصف الباقي لأنه شراه بالديون، هذا غير الفوائد التي عليه، وغير الديون التي غالباً ما تبقى على ظهره حتى تكسر ظهره.. جبر الله كسره!

ومن أقوالهم التي تدل على رجاحة العقل، والمعرفة بتقلبات الدهر:

(أقسم حلالك ثلاث أقسام:

*قسم مع العقّال (في عقار مكانه قريب وايجاره مضمون لأنه مطلوب)..

* وقسم مع المهبّل! (في أراضٍ بعيدة رخيصة فربما وصلها العمران والخدمات فتضاعفت قيمتها عشرات المرات!) والمراد (بالمهبل) هنا هم من يضعون كامل مالهم في أراضٍ بور بعيدة وربما يستدينون أيضاً بدافع الطمع!.

* وثلث لا تشوفه الشمس! أي احتفظ به نقداً في حرزٍ حريز! فربما بار العقار الذي كان في مكانٍ ممتاز! فإن الأحياء السكنية والتجارية مثل الأحياء من البشر والشجر معرضة للموت!

ومن القصائد المشهورة، والمعبرة، والصادقة المعنى، والحلوة المبنى، قول عبدالله بن إبراهيم بن مقرن (مريعان) - تغمده الله برحمته:

ودّك إلى منّك بلغت الثلاثين

تبدأ تجمع خزنةٍ للعواده

ثلث المكدة حطّها في بعارين

والثلث خرِّج منه واضبط حسابه

والثلث الآخر حِطّ دونه كوالين

يجري على المخلوق شيٍ ما هقابه

خلّوك تقلط تآخذ الخمس بالفين

تقلط على العذروب وانت تهابه

مرقّعات شدوقها بالعرانين

توّه جديدٍ ما تقطّع رتابه

وراك ما جلستهم عند عدلين

ومطوعٍ مهوب ياخذ كتابه

سلفت لك ناسٍ ولا هم بسنعين

والزرق كلٍ ينهبونه نهابه

إلى بداء اللازم تراهم حبيبين

والى انقضى اللازم تراهم ذيابه

وورد - في مناسبه القصيدة - أن ابن الشاعر كان شهماً فأقرض ألفي ريال لبعض رفاقه، وهو مبلغ ضخم في وقته، ومن شهامته لم يأخذ عليهم صكاً بالقرض، فلم يعيدوه إلاَّ بالعذاب! ولم يعيدوا من الألفين إلا خمسمائه ريال!

وأكثرنا مررنا بمثل هذه التجربة ونحن شباب!! فكم من قرضٍ ذهب في خبر كان!! ولكن ما ضاع من مالك ما وعظك.. ولكن خير مالك ما نفعك.. وعند الحاجة لن ينفعك - بعد الله عز وجل - إلاّ مالك الحاضر!

والشاعر (المريعان) -رحمه الله- أحسن وأجاد! وذكر مرحلة الشيخوخة (العَوَاده) حيث العجز عن الكسب، والحاجة للرعاية والعلاج، فالمال المُدَخَّر يحفظ كرامة (العود) ولا يجعله يحتاج لأحد، فحتى لو احتاج الأب المسن لمال ولو من ابنه فإن ذلك يصعب عليه ولو كان طول عمره يعطي، فالمثل يقول: (إذا أعطى الأب ابنه ضحك الاثنان وإذا أعطى الابن أباه بكى الاثنان) وفعلاً، في الحالة الأولى يضحك الاثنان ابتهاجاً وسعادة، فالأب سعيد بإعطاء ابنه، والابن سعيد بجود أبيه لا يجد في نفسه غضاضة، ولكن الأب المسن، وغير المسن، يحس - هو وابنه - ببعض الانكار إذا طلب من ابنه بعض المال! فربما بكى الاثنان من التأثر.

عموماً نرجو تأمل ما في قصيدة الشاعر من حكمة وبلاغه وحسن وصف ومعرفة بطباع الناس وحال الحياة..

ومن شواهد النحو المشهورة

(كُلُّ النداءِ إذا ناديت يَخْذلُني

إلاَّ نِدائي إذا ناديت: يا مالي)!

وأحرى به أن يكون من شواهد الاقتصاد والادخار والاحتياط!

ويقول الشاعر:

إذا المرء لم يحتل وقد جد جده

أضاع وقاسى أمره وهو مدبر

ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاً

به الأمر إلا وهو للأمر مبصر

فذاك قريع الدهر ما عاش حول

إذا سد منه منخر جاش منخر!!

قلت: وما أشد ذكاء الجربوع! هذا الحيوان الصحراوي الصغير! فإنه يجعل لجحره أكثر من باب (نَطْقَه) باب ظاهر يدخل معه! وباب سريّ لا يبين يهرب معه إذا هاجمه أحد! وبعض (الجرابيع) تزيد من الاحتياط فتضع عدة أبواب سرِّية!!

نقلا عن الرياض