لم تتوقف نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي عند تغيير موازين السلطة في واشنطن؛ فقد امتدت تداعياتها إلى العملات والسندات والأسهم والسلع حول العالم. وأسفرت انتخابات الثالث من نوفمبر عن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ، وسط استياء من تكاليف المعيشة والحرب مع إيران. لكن الأثر الاقتصادي يتجاوز الحزب الفائز إلى ما يمكن تمريره من سياسات، وما قد يتعطل منها خلال العامين المقبلين. في أسواق العملات والدين، تراجع الدولار عقب النتائج، وانخفضت عوائد سندات الخزانة الأمريكية، مع إعادة تقييم المستثمرين لاحتمالات الإنفاق الحكومي والعجز والنمو.
ولأن السندات الأمريكية مرجع رئيسي لتسعير التمويل عالميًا، فإن تغير عوائدها يمتد إلى تكلفة اقتراض الحكومات والشركات، وأسعار صرف العملات وتدفقات رؤوس الأموال. وقد تستفيد الاقتصادات الناشئة من انخفاض العوائد وضعف الدولار، خصوصًا مع تراجع تكلفة خدمة ديونها الدولارية، لكن استمرار ذلك يتوقف على اتجاه السياسة النقدية والأوضاع الاقتصادية، لا نتائج الانتخابات وحدها.
وفي الأسواق المالية والسلع، كشفت جلستان متتاليتان عن اختلاف استجابة المستثمرين. فقد ارتفع مؤشر S&P 500 بنسبة 1.6% في الرابع من نوفمبر، قبل أن يتراجع بنحو 4.4% في اليوم التالي، بينما هبط ناسداك 5.5% ومؤشر أشباه الموصلات 12.2%. وجاءت موجة البيع مع مخاوف من تشديد الرقابة على الذكاء الاصطناعي وفرض قيود على توسع مراكز البيانات، بما قد يبطئ الطلب على الرقائق، إلى جانب الشكوك حول العائد الاقتصادي للاستثمارات التقنية الضخمة ونتائج أعمال مخيبة لبعض الشركات. وفي المقابل، تذبذب النفط مع تغير التوقعات بشأن الحرب مع إيران، بينما استفاد الذهب من الطلب على التحوط. وهكذا لم تكن الانتخابات وحدها محرك الأسعار، بل أعادت ترتيب مخاطر قائمة أصلًا.
والتاريخ يقدم تجارب مختلفة لانقسام السلطة. فبعد انتخابات 2010، تحولت خلافات سقف الدين الأمريكي 2011 إلى أزمة انتهت بخفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة للمرة الأولى، وتراجعت الأسهم بشدة، بينما احتفظت سندات الخزانة بجاذبيتها كملاذ آمن.
وفي تجربة أخرى، لم يمنع فوز الديمقراطيين بمجلس النواب 2018 إدارة ترامب من مواصلة سياساتها التجارية باستخدام الصلاحيات التنفيذية. أما عهد كلينتون بعد انتخابات 1994، فقد شهد لاحقًا اتفاقات مالية وتحسنًا في الموازنة، بما يؤكد أن الانقسام السياسي لا يقود بالضرورة إلى نتيجة اقتصادية واحدة.
وتتجاوز التداعيات الأسواق المالية إلى التجارة والنمو العالمي. فالكونجرس الجديد قد يغير مسار الإنفاق والضرائب والرقابة التنظيمية، لكنه لا يلغي الصلاحيات التنفيذية للرئيس في ملفات التجارة والسياسة الخارجية. ولهذا ستراقب الشركات العالمية مستقبل الرسوم الجمركية وسلاسل الإمداد وتكاليف الاستثمار، بينما ستراقب الاقتصادات الناشئة حركة الدولار والعوائد الأمريكية. وقد يؤدي تراجع عدم اليقين إلى دعم الاستثمار، أو تؤدي الخلافات التشريعية إلى تأجيل القرارات وزيادة علاوات المخاطر.
فالانتخابات الأمريكية تعيد توزيع السلطة، لكنها لا تعالج تلقائيًا اختلالات الاقتصاد. والاختبار الحقيقي ليس مقدار ما تربحه الأسواق أو تخسره عقب الاقتراع، بل ما إذا كان التوازن السياسي الجديد سيخفض تكلفة التمويل وعدم اليقين، أم سينقل أعباء الخلاف الأمريكي إلى بقية العالم.
نقلا عن الاقتصادية


