دخل نظام التنفيذ الجديد ولائحته التنفيذية حيز النفاذ في 29 أكتوبر 2026، في تحول تشريعي يعيد ترتيب العلاقة بين الدائن والمدين ومنظومة القضاء. ويتكون النظام من 65 مادة، ولائحته من 54 مادة، وقد حل محل نظام التنفيذ السابق الصادر عام 1433هـ.
المرجع: نظام التنفيذ، المادة (65)؛ اللائحة التنفيذية، المادة (54)؛ قرار وزير العدل رقم (617) بتاريخ 7/5/1448هـ.
وليس الجديد مجرد تسريع لإجراءات قائمة، بل انتقال واضح من نموذج يعتمد على الضغط على شخص المدين إلى نموذج يستهدف ماله، ويعتمد على الإفصاح والحجز والتتبع والبيع المنضبط. فالنظام يضع التنفيذ على مسار إلكتروني متكامل، ويجعل الأموال محل التنفيذ هي محور الاستيفاء، مع ضمانات دقيقة للدائن والمدين معاً.
المرجع: نظام التنفيذ، المواد (15-37) و(62)؛ اللائحة التنفيذية، المواد (15-40).
ويبدأ النظام بتوسيع وتدقيق مفهوم السند التنفيذي؛ فتدخل فيه الأحكام القضائية النهائية والمعجلة، وأحكام التحكيم، واتفاقات التسوية والصلح الموثقة، والشيكات، والعقود والإقرارات الموثقة. واشترط للكمبيالات والسندات لأمر أن تكون مسجلة في منصة إلكترونية وطنية معتمدة، مع إبقاء الكمبيالات والسندات لأمر السابقة على النفاذ سندات تنفيذية لمدة سنة، متى استوفت بقية الشروط النظامية.
المرجع: نظام التنفيذ، المادة (7)؛ المرسوم الملكي رقم (م/237)، البند خامساً؛ اللائحة التنفيذية، المادة (6).
وفي معالجة أكثر مرونة للعقود والالتزامات المعلقة، تتيح المادة الثامنة لصاحب الحق أن يرفق بطلب التنفيذ تقريراً من جهة خبرة تعتمدها وزارة العدل، يثبت تنفيذ الالتزام الذي علق عليه الحق، إذا كان ذلك لا يظهر من السند نفسه. وهذا الحكم ينطبق على اتفاقات التسوية ووثائق الصلح، والعقود والإقرارات الموثقة، والعقود أو المحررات التي منحها النظام أو قرار مجلس الوزراء صفة السند التنفيذي.
المرجع: نظام التنفيذ، المادة (8)؛ اللائحة التنفيذية، المادة (7).
ومن الأحكام اللافتة حماية المدين من بقاء ذمته معلقة بسبب امتناع الدائن عن استيفاء حقه؛ إذ تجيز المادة العاشرة للمدين أن يطلب من المحكمة إلزام الدائن باستيفاء حق معين حال الأداء وثابت بسند تنفيذي. فإذا تعذر الاستيفاء، أثبتت المحكمة ذلك واتخذت ما يكفل للمدين الوفاء بالحق وإبراء ذمته، وهو حكم عملي في حالات رفض الدائن تسلم محل الوفاء أو تعذر الوصول إليه.
المرجع: نظام التنفيذ، المادة (10)؛ اللائحة التنفيذية، المادتان (10) و(11).
ووضع النظام حداً زمنياً لقبول طلب التنفيذ؛ فلا يقبل طلب التنفيذ بسند مضى على استحقاقه أكثر من عشر سنوات، ما لم يقض نص نظامي بخلاف ذلك. أما في الديون المقسطة أو الالتزامات الدورية، فتحسب المدة لكل قسط أو دفعة مستقلة، وهي قاعدة ينبغي للدائنين والمؤسسات المالية الانتباه إليها عند إدارة الديون المتأخرة.
المرجع: نظام التنفيذ، المادة (11)؛ اللائحة التنفيذية، المادة (12).
وفي الديون المالية، يمنح المنفذ ضده خمسة أيام عمل من تبليغه بأمر التنفيذ للوفاء. فإذا انقضت دون تنفيذ، تبدأ إجراءات التنفيذ الجبري على أمواله ومستحقاته الحالية والمستقبلية، مع إشعار جهات المعلومات الائتمانية بواقعة عدم التنفيذ. وإذا قدم ضماناً بنكياً كافياً للوفاء، منح مهلة إضافية مدتها عشرة أيام عمل.
المرجع: نظام التنفيذ، المادة (18/1-2).
وتزداد فعالية التنفيذ بأداة الإفصاح؛ إذ يجب على المنفذ ضده الإفصاح عن أمواله خلال خمسة أيام عمل من تبليغه بأمر التنفيذ، بما يشمل الأموال غير المسجلة، والأموال الموجودة خارج المملكة، وما له لدى الغير. كما تلتزم الجهات المشرفة على الأموال أو تسجيلها بتزويد المحكمة بالبيانات المتاحة لديها خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أيام عمل من تبليغها بالأمر.
المرجع: نظام التنفيذ، المادة (15)؛ اللائحة التنفيذية، المواد (15-17).
ولا يتوقف النظام عند سؤال المدين عن أمواله؛ إذ وسع نطاق الاستجواب، عند توافر قرائن الإخفاء أو التهريب، ليشمل أقاربه ووكلاءه ومن تربطه بهم علاقة عمالية، والمتعاملين معه مالياً، ومدينيه، ومن يشتبه في محاباتهم له. ويلزم المطلوب استجوابه الاستجابة خلال ثلاثة أيام عمل، ويجوز للمحكمة عند الاقتضاء الأمر بإحضاره بالقوة الجبرية.
المرجع: نظام التنفيذ، المادة (21).
وفي السياق نفسه، ينظم النظام طلب تتبع الأموال؛ فيجوز لطالب التنفيذ، بعد بدء التنفيذ الجبري، طلب تتبع أموال المدين متى وجدت قرائن على إخفائها أو تهريبها. وللمحكمة إسناد التتبع إلى الإدارة المختصة أو إلى القطاع الخاص المرخص له، ويكون التقرير خلال أجل تحدده المحكمة لا يتجاوز تسعين يوماً، قابلاً للتمديد عند الحاجة.
المرجع: نظام التنفيذ، المادتان (20) و(22)؛ اللائحة التنفيذية، المواد (20-25).
ويحاصر النظام التصرفات الضارة بالدائن قبل صدور الحجز؛ إذ يجيز لطالب التنفيذ رفع دعوى لإبطال الهبات والتبرعات، والوفاء بدين قبل حلول أجله، والعقود أو الالتزامات المالية غير المعتادة من مثل المدين، متى وقعت بعد الإخطار بطلب الأداء أو تبليغ أمر التنفيذ، وفي حدود الحق محل السند التنفيذي. أما التصرف في المال بعد صدور أمر الحجز فهو باطل.
المرجع: نظام التنفيذ، المادة (24).
وفي المقابل، أعطى النظام المدين هامشاً لحماية مصلحته الاقتصادية؛ فإذا أثبت أن أمواله تزيد على مقدار الدين، جاز له تحديد مال تكون له الأولوية في التنفيذ عليه، وعلى المحكمة الأخذ بذلك ما لم يخل بمصلحة التنفيذ. وهي أداة تتيح مثلاً تفادي الحجز على أصل منتج أو نشاط تشغيلي، متى وجد مال آخر يكفي للوفاء ولا يضر بالدائن.
المرجع: نظام التنفيذ، المادة (25/3).
وفي باب الجزاءات، فرّق النظام بين الالتزام المالي والتنفيذ المباشر. ففي الديون المالية يجوز فرض غرامة لا تتجاوز خمسة آلاف ريال يومياً، وبحد أقصى يساوي قيمة الدين محل التنفيذ. أما في التنفيذ المباشر لفعل أو امتناع عن فعل، فتبلغ الغرامة اليومية عشرة آلاف ريال، وبحد إجمالي لا يتجاوز خمسمائة ألف ريال. وللمحكمة في الحالتين إلغاء الغرامة أو جزء منها إذا نفذ المنفذ ضده التزامه.
المرجع: نظام التنفيذ، المادتان (18/3) و(36/3/ب)؛ اللائحة التنفيذية، المادتان (18) و(40).
ومن هنا لا يصح القول إن الحبس ألغي من النظام على إطلاقه؛ فهو لم يعد وسيلة لتنفيذ الدين المالي، لكنه بقي في التنفيذ المباشر. فإذا مضى ثلاثون يوم عمل على اتخاذ إجراءات التنفيذ المباشر ولم ينفذ المنفذ ضده التزامه، جاز حبسه مدة لا تزيد على 180 يوماً، قابلة للتمديد، مع استثناء القاصر والمريض الذي لا يتحمل الحبس والحامل ومن لها طفل لم يتجاوز سنتين وأصول طالب التنفيذ وفروعه.
المرجع: نظام التنفيذ، المادتان (36) و(37).
كما ضبط النظام المنع من السفر؛ فلا يصدر تلقائياً، بل بطلب من طالب التنفيذ، ولمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات، قابلة للتمديد في حدود ست سنوات إجمالاً. ويرفع في حالات محددة، منها العلاج، وصغر الدين بما لا يتجاوز خمسين ألف ريال، واقتضاء المهنة أو الوظيفة للسفر، ووجود أموال كافية قابلة للاستيفاء.
المرجع: نظام التنفيذ، المادة (19)؛ اللائحة التنفيذية، المادة (19).
وفي حماية المدين وأسرته، لا يجوز الحجز على المسكن ووسيلة النقل في حدود الكفاية، ولا أدوات المهنة، ولا الإعانات الحكومية. كما حدد النظام نسب الحجز من الرواتب والمعاشات، وقرر أنه إذا بيع مسكن أو مركبة تجاوزت مقدار الكفاية، يخصص للمنفذ ضده من ثمنها ما يكفي لشراء بديل مناسب.
المرجع: نظام التنفيذ، المادة (26)؛ اللائحة التنفيذية، المادة (27).
وأجاز النظام بيع المال طوعاً قبل المزاد إذا حقق ذلك مصلحة التنفيذ، ووضعت اللائحة حداً أقصى لمدة التمكين بالبيع لا يتجاوز ستين يوماً من تاريخ القرار. وهذه الوسيلة قد تحافظ على القيمة السوقية للأصول، خصوصاً العقارات والمنشآت والأصول التجارية، بدلاً من البيع الجبري في توقيت غير مواتٍ.
المرجع: نظام التنفيذ، المادة (29)؛ اللائحة التنفيذية، المادة (32).
وفي التنفيذ على الشخصية الاعتبارية الخاصة، يبقى الأصل التنفيذ على أموال الشركة أو الكيان. ولا تنشأ مسؤولية أحد من منسوبيها لمجرد عدم تنفيذها أمر التنفيذ؛ وإنما تسري عليه أحكام التنفيذ المباشر إذا ثبت أنه تسبب بفعل منه في إعاقة التنفيذ، أو امتنع ـ مع قدرته ـ عن اتخاذ ما يدخل في صلاحياته لإتمامه، بعد تمكينه من بيان دفاعه أمام المحكمة.
المرجع: نظام التنفيذ، المادة (41)؛ اللائحة التنفيذية، المادتان (44) و(45).
وفرق النظام بين منازعة التنفيذ والتظلم من إجراءاته: فالمنازعة تتعلق بصحة السند أو شروط تنفيذه أو اختصاص المحكمة، وتفصل وفق أحكام الدعاوى المستعجلة؛ أما التظلم فيتعلق بالقرارات والإجراءات التنفيذية المحددة، كالحجز والمنع من السفر والغرامة والبيع الطوعي، ويقدم خلال عشرة أيام عمل. والأصل أن المنازعة أو التظلم لا توقف التنفيذ إلا بقرار من المختص.
المرجع: نظام التنفيذ، المواد (45-47)؛ اللائحة التنفيذية، المادتان (48) و(49).
وبين النظام حالات انتهاء طلب التنفيذ: استيفاء الحق، أو ثبوت عدم وجود أموال للمنفذ ضده، أو اتخاذ جميع الإجراءات ومضي سنة من آخر إجراء، أو تعذر التنفيذ، أو إنهاء طالب التنفيذ للطلب، أو إبراء ذمة المدين. ومع ذلك، لا يمنع انتهاء الطلب في بعض هذه الحالات من استكمال التنفيذ مستقبلاً متى وجد مسوغ نظامي، كظهور أموال جديدة للمنفذ ضده.
المرجع: نظام التنفيذ، المادتان (42) و(43)؛ اللائحة التنفيذية، المادتان (46) و(47).
أما أحكام الإعسار، فلم تنتقل إلى النظام الجديد بوصفها تنظيماً مستقلاً؛ إذ أبقى المرسوم الملكي العمل مؤقتاً بأحكام الإعسار الواردة في النظام السابق، إلى حين صدور التشريع المنظم للإعسار المدني ونفاذه.
المرجع: المرسوم الملكي رقم (م/237)، البند سابعاً.
وخلاصة هذا التحول أن نظام التنفيذ الجديد يبني اقتصاد وفاء أكثر انضباطاً: دائن يملك أدوات أدق للوصول إلى حقه، ومدين تحاط أمواله وإجراءاته بضمانات التناسب والكفاية، وقضاء تنفيذي يستند إلى البيانات والتكامل الإلكتروني وتخصص الخدمات. والتحدي الحقيقي سيكون في التطبيق العملي، ومدى اتساق تقدير المحاكم لمصلحة التنفيذ دون الإخلال بحقوق الأطراف.
خاص_الفابيتا


