في الرابع من أكتوبر الجاري دخل قرار توطين المهن الإدارية المساندة حيّز التنفيذ بالكامل، وبدأت الفرق الرقابية في وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية جولاتها على المنشآت. قرأ كثيرون الخبر على أنه قرار توطين جديد يُضاف إلى ما سبقه. أنا قرأته من زاوية أخرى. فأقسام الموارد البشرية في المنشآت السعودية وُطّنت منذ سنوات، وفرق الموارد البشرية لدى عملائنا في المملكة كلها سعودية. الجديد في هذا القرار، بالنسبة لي، ليس من يشغل الوظيفة، بل الطريقة التي يُقاس بها العمل.
ماذا يقول القرار؟
القرار الوزاري رقم 132249 الصادر في 5 أبريل 2026 قصر العمل على السعوديين بنسبة 100% في 69 مهنة إدارية مساندة، على مستوى الكيان، ويسري على كل منشأة في القطاع الخاص يعمل فيها عامل واحد أو أكثر في هذه المهن. دخلت 19 مهنة حيز التنفيذ فور صدور القرار، ومُنحت 50 مهنة فترة سماح مدتها ستة أشهر انتهت في 4 أكتوبر.
ونحو 30 مهنة من الـ69 هي مهن موارد بشرية وشؤون موظفين، من كاتب الموارد البشرية إلى أخصائي التوظيف وأخصائي تخطيط القوى العاملة ومدير المواهب. لكن هذه في تجربتي مهن يشغلها سعوديون منذ زمن، فلن يغيّر القرار فيها كثيرًا من حيث الأسماء. ما يستحق التوقف عنده تفصيل آخر في الدليل الإجرائي.
العمل الفعلي لا المسمى الوظيفي
يقول الدليل إن القرار يُطبَّق على "العمل الفعلي للعامل" وليس على المسمى الوظيفي وحده، وإن إسناد مهام مهنة موطّنة إلى غير سعودي "بطريقة مباشرة أو غير مباشرة" تحت أي مسمى آخر يُعد مخالفة. ويضيف أن نطاق المنشأة في نطاقات لا يعفيها من الالتزام.
وهنا مفارقة تستحق الانتباه. الوزارة نفسها، بحسب الدليل، تتابع الالتزام "بشكل آلي تمامًا" من المسميات المهنية في قاعدة بيانات التأمينات الاجتماعية. أي أن الجانب الآلي من المتابعة محسوم على مستوى الدولة. لكن مطابقة العمل الفعلي حكمٌ لا تُصدره آلة: هل المهام التي يؤديها هذا الموظف تقع ضمن مهنة موطّنة أم لا؟
الوزارة إذن تسأل عن العمل لا عن اللقب. وأظن أن هذا أفضل سؤال يمكن أن يطرحه قادة الموارد البشرية على أنفسهم أيضًا: ما العمل الفعلي الذي يؤديه أخصائي الموارد البشرية السعودي كل يوم؟
نقل الأوراق أم الحكم؟
في كثير من الأقسام التي أعرفها، الجواب غير مريح. كفاءات سعودية مؤهلة تقضي جزءًا كبيرًا من يومها في فرز السير الذاتية واحدة تلو الأخرى، وإعداد تقارير التوطين يدويًا كلما طلبها مسؤول، ومطاردة الموافقات بين البريد وجداول الإكسل. وطّنّا الوظيفة منذ سنوات، لكننا لم نطوّر العمل نفسه. وضعنا كفاءة وطنية في عمل صُمّم أصلًا لنقل الأوراق.
وقد رأيت البديل عمليًا. في مشروع عملنا عليه في سولفيت مع إحدى الشركات الكبرى في المملكة، أضفنا فوق نظام الموارد البشرية القائم طبقة سهلة الاستخدام ومُمكَّنة بالذكاء الاصطناعي، تختار الدورات التدريبية لكل موظف وفق مهاراته وتتكامل مع عدة أنظمة في بيئة الشركة، فارتفع تفاعل الموظفين مع التعلّم. المطابقة الأولى بين مهارات كل موظف والدورة المناسبة له صارت من عمل الذكاء الاصطناعي.
السؤال الذي أطرحه على كل قائد موارد بشرية
أعمل في أنظمة الموارد البشرية منذ ستة عشر عامًا، ووصلت إلى قناعة بسيطة: إضافة الذكاء الاصطناعي فوق الهيكل القديم لا تُصلح الخطأ، بل تكرّره بسرعة أكبر. لذلك أطرح سؤالًا واحدًا على كل عملية: هل الذكاء الاصطناعي يذهب أولًا؟
بمعنى: هل يُنتج الذكاء الاصطناعي المُخرَج الأول، ثم يأتي الناس ليوجّهوا ويحكموا ويتحمّلوا المسؤولية؟ أم أن الموظف ما زال يُنتج كل شيء بنفسه، والتقنية مجرد طبقة فوقه؟
هذا جوهر الذكاء الاصطناعي التوكيلي: الذكاء الاصطناعي ينفّذ، والناس يحكمون. وكلاء رقميون يؤدون العمل المتكرر الذي يتبع نمطًا معروفًا، وفريق يحكم على النتيجة. في الاستقطاب، يفرز الذكاء الاصطناعي ويُعدّ القائمة الأولية، ويتفرغ الأخصائي للمقابلات والحكم على المرشحين. في تقييم الأداء، تُكتب المسودة الأولى من البيانات المتاحة، ويراجعها المدير ويقرر. وفي متابعة التوطين نفسها، يصل تقرير الوضع تلقائيًا كل أسبوع، ويتفرغ الفريق للسؤال الذي لا تجيب عنه الآلة: هل العمل الفعلي يطابق المسمى؟
الحوكمة مهارة الموارد البشرية الجديدة
لست وحدي في هذه القراءة. في دراسة نشرها معهد IBM لقيمة الأعمال في سبتمبر الماضي، شملت 1,500 من كبار مسؤولي الموارد البشرية، قال 71% منهم إن القدرة على الإشراف على مخرجات الذكاء الاصطناعي والتحقق منها وتجاوزها هي المهارة الأهم لدى القوى العاملة. وقال 80% منهم إن تبني الذكاء الاصطناعي يخلق عملًا "غير مرئي": مراجعة التوصيات، وتصحيح الأخطاء، وإدارة الاستثناءات.
هذا العمل غير المرئي هو الوظيفة الحقيقية القادمة. والسؤال هو: هل نصمم أدوار الموارد البشرية حوله عن قصد، أم نتركه يتراكم فوق الأدوار القديمة؟
ثلاث خطوات قبل نهاية العام
أولًا، ارسم خريطة المُخرَج الأول. في كل عملية من عمليات الموارد البشرية، من يُنتج المسودة الأولى اليوم: الموظف أم الذكاء الاصطناعي؟ ولماذا؟ كثيرا من الإجابات ستكون: "لأن الأمور جرت هكذا دائمًا".
ثانيًا، أعد كتابة الأوصاف الوظيفية لفريقك الحالي حول الحكم لا حول المعاملات. الأخصائيون السعوديون يستحقون أدوارًا محورها إدارة الاستثناءات، والحوار مع الموظفين، وتخطيط القوى العاملة، والإشراف على مخرجات الأنظمة الذكية.
ثالثًا، استثمر في التدريب على حوكمة الذكاء الاصطناعي. الدليل الإجرائي نفسه يشير إلى حزمة دعم تشمل الاستقطاب والتدريب والتأهيل والاستقرار الوظيفي. استخدمها لبناء مهارات المستقبل، لا لتكرار مهارات الماضي.
ماذا بعد؟
القرار يتحقق من أن العمل الفعلي في هذه المهن يؤديه سعوديون. وهذا في الموارد البشرية محسوم منذ سنوات. أما أن يكون هذا العمل جديرًا بهم، فذلك قرارنا نحن.
خاص_الفابيتا



عملها انتو من غيرتوه بنفس الارث حقكم والمسئول عن مايحدث من فساد اجنبي في الموارد البشريه هوالدي يتحمل قال هل تغير شي !أنت ترحل ومن على شاكلتك والامور ترجع لمجاريها قبل 13 سنه بقياده ورياده سعوديه خالصه امينه واثقه لاتنافق ولا تتجرأ لأنقاص او تهميش الكوادر الوطنيه --