أحيانًا لا يكون الاختبار الحقيقي للمسؤول هو القرار الذي يتخذه، بل قدرته على اتخاذ قراراته وفقًا لقناعته، عندما تتجدد الضغوط وتصبح الحسابات أكثر تعقيدًا. وفي السياسة النقدية الأمريكية، حيث تتقاطع أسعار الفائدة مع مصالح الأسواق والبيت الأبيض، لا يبدو الحفاظ على استقلال القرار مهمة سهلة، حتى لمن يصل إلى منصبه بدعم من الرئيس.
في مقالي السابق "بعد باول.. هل يفاجئ وارش ترامب؟"، اعترفت بأنني أخطأت في توقعي الأولي بشأن كيفن وارش. كنت أتصور أن اختيار دونالد ترامب له قد يمهد الطريق أمام رئيس للفيدرالي أكثر استعدادًا لمجاراة رغبات الرئيس. لكن رفع الفائدة في سبتمبر، رغم مطالبة ترامب بخفضها، جعلني أعيد النظر في هذا التصور، مع التحفظ على اعتبار قرار واحد دليلًا كافيًا للحكم على استقلالية الرجل. والآن، بعد اجتماع أكتوبر، أجد نفسي أمام اختبار جديد، وإن كان مختلفًا هذه المرة.
ثبت الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة عند نطاق 3.75% إلى 4%، بعدما رفعها في سبتمبر للمرة الأولى منذ يوليو 2023. للوهلة الأولى، قد يبدو التثبيت خطوة لا تحمل الكثير من الدلالات، خصوصًا أنه جاء متوافقًا مع التوقعات. لكن ما لفت انتباهي لم يكن القرار وحده، بل ما أحاط به من مواقف وتصريحات.
فقد أكد وارش أن التضخم لا يزال مرتفعًا، وأن إعادته إلى مستهدف البنك المركزي البالغ 2% تظل أولوية. وفي الوقت نفسه، أشار إلى قوة الاقتصاد والإنفاق الاستهلاكي والاستثمارات ونمو الإنتاجية، موضحًا أن البيانات المقبلة ستساعد اللجنة في تحديد مسار السياسة النقدية.
ثم جاءت العبارة الأكثر أهمية في مؤتمره الصحفي، عندما أكد أن الاعتبارات السياسية لم يكن لها أي دور في القرار، وأنه لم يسمع خلال مناقشات اللجنة أي إشارة إلى السياسة أو الانتخابات أو التطورات المرتبطة بها.
هنا تحديدًا، تصبح القصة أكبر من مجرد تثبيت للفائدة. فتصريح وارش يكتسب أهميته في ظل رئيس أمريكي لا يخفي رغبته في خفض الفائدة، ولا يتردد في انتقاد المؤسسة عندما لا تأتي قراراتها على هواه.
لكنني لا أريد أن أذهب بعيدًا في تفسير هذه الخطوة. فالتثبيت ليس في حد ذاته تحديًا لترامب، كما أن رفع الفائدة ليس دليلًا تلقائيًا على الاستقلالية. لكل قرار ظروفه الاقتصادية، وقد يكون تثبيت الفائدة هو ما تقتضيه البيانات في اجتماع بعينه، بصرف النظر عن رغبة الرئيس أو موقفه.
واللافت أيضًا أن القرار لم يحظَ بإجماع أعضاء اللجنة؛ إذ فضّلت "ليزا كوك" و"بيث هاماك" رفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية. وهذا يعكس اختلاف التقديرات داخل المؤسسة، ويؤكد أن تباين الآراء يظل جزءًا من عملية صنع القرار. فالاستقلالية لا تعني أن يتفق الجميع على رأي واحد، وإنما أن يكون القرار نتاجًا لتقييم اقتصادي، لا استجابة لضغط سياسي.
وهنا أتذكر ما كتبته عن جيروم باول. فقد خاض الرجل سنوات من التجاذب مع ترامب، وانتهت علاقتهما إلى خلافات علنية بشأن أسعار الفائدة. وعندما اختار ترامب وارش لخلافته، بدا من الطبيعي أن يتساءل كثيرون عما إذا كان الرئيس الجديد ستكون له علاقة مختلفة مع البيت الأبيض. لكن ما حدث حتى الآن لا يسمح بإجابة نهائية، سواء بالإيجاب أو النفي.
ما أراه أن وارش بدأ يرسم ملامح موقفه، لكنه لم يجتز الاختبار بعد. فالتضخم لا يزال أعلى من المستهدف، والرجل نفسه أقر بأن الفيدرالي لم ينجح حتى الآن في تحقيق استقرار الأسعار. كما أنه لم يحدد مسبقًا ما إذا كان الاجتماع المقبل سيشهد رفعًا جديدًا للفائدة، تاركًا القرار لما ستكشف عنه البيانات في الأسابيع المقبلة.
وهذا هو الاختبار الذي يهمني أكثر من أي تصريح: ماذا سيفعل وارش إذا جاءت البيانات لتدعم رفع الفائدة، بينما يواصل ترامب المطالبة بخفضها؟ وهل سيظل موقفه ثابتًا إذا ارتفعت تكلفة الخلاف مع البيت الأبيض، أم أن الضغوط ستترك أثرها في القرارات اللاحقة؟
لا أملك إجابة حتى الآن، ولا أعتقد أن من الإنصاف أن أقدم واحدة قبل أن تتضح الصورة. لكنني أرى أن تصريحات وارش الأخيرة تضيف شيئًا إلى ما بدأناه في المقال السابق؛ فقد انتقل النقاش من قرار خالف رغبة ترامب إلى تأكيد صريح من رئيس الفيدرالي أن السياسة لم تؤثر في قراره. وهذا تطور يستحق التوقف عنده، لكنه لا يغني عن الاختبار الأهم: أن تتحدث القرارات نفسها، مرة بعد أخرى، عن استقلال المؤسسة.
في النهاية، لا تُقاس استقلالية البنوك المركزية بما يقوله رؤساؤها عن أنفسهم، بل بما يفعلونه عندما تتعارض متطلبات الاقتصاد مع رغبات السلطة السياسية. وربما يكون وارش قد قطع خطوة في هذا الطريق، لكن الحكم على المسافة التي سيقطعها يحتاج إلى وقت وقرارات أخرى.
بعد باول، لم يعد السؤال فقط عما إذا كان وارش سيفاجئ ترامب، بل عما إذا كان قادرًا على الحفاظ على استقلال قراره عندما تتجدد الضغوط. حتى الآن، قدم مؤشرات تستحق المتابعة، لكن استقلالية الفيدرالي لا تُحسم بتصريح ولا بقرارين، وإنما بما تكشف عنه القرارات عندما تتعارض متطلبات السياسة النقدية مع رغبات الرئيس.
خاص_الفابيتا


