أين يُصنع علم الاقتصاد؟

26/10/2026 0
د. عبدالله الردادي

بداية هذا الشهر، نشر «المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية» في الولايات المتحدة ورقة لافتة أعدّها الاقتصادي ريتشارد فريمان وثلاثة من زملائه، تتبعوا فيها أماكن عمل قرابة 6 آلاف عالِم فازوا بأرفع الجوائز في 18 حقلاً، من الفيزياء والكيمياء والطب إلى العلوم الاجتماعية، على مدى قرنين كاملين، وجاءت الخلاصة على صورة خبرين، أحدهما سار والآخر مقلق: فالعلوم كلها تقريباً خرجت تدريجياً من أسوار حفنة من الجامعات الغنية إلى خريطة أوسع وأكثر تنوعاً حول العالم، إلا علماً واحداً سار في الاتجاه المعاكس وازداد تجمعاً عاماً بعد عام، وهو الاقتصاد، وقد يبدو هذا شأناً داخلياً يخص الأكاديميين وجوائزهم، لكنه أقرب إلى حياتنا مما نظن، فهل يهمّنا حقاً أين يُصنَع علم الاقتصاد، الذي يقرر سعر الفائدة على قروضنا، وشكل الضريبة على دخولنا، والوصفة التي تُعطى لبلد يمر بأزمة؟

تقدم الورقة أرقاماً لا انطباعاً، فنصف سنوات العمل التي قضاها الاقتصاديون الفائزون بالجوائز الكبرى تتركز في 8 جامعات فقط، وجامعة هارفارد وحدها تستحوذ على قرابة 11 في المائة منها، والمفارقة أن العلوم، التي تحتاج إلى مختبرات بمليارات ومسرّعات جسيمات ومعدات لا تملكها إلا الدول الغنية، هي التي تفرّقت، أما العلم الذي لا يحتاج إلا إلى عقل وقلم وقاعدة بيانات فهو الذي تجمّع، وكأن العالم يأكل من وصفات تُطبخ في مطبخ صغير واحد، تتغير الصحون وتتغير العواصم التي تُقدَّم فيها، ويبقى المطبخ هو نفسه، فلماذا يختص الاقتصاد بهذا التركّز؟

يعود ذلك إلى طبيعة المجال، في الطب يعمل الدواء أو لا يعمل أياً كان المختبر الذي جرّبه، والنتيجة الحاسمة تفرض نفسها ولو جاءت من جامعة مغمورة، ولهذا تقول الورقة إن 7 من كل 10 فائزين بـ«نوبل» في الطب كانوا خارج أشهر 10 مؤسسات، ونالوها عن اكتشاف واحد قابل للاختبار، أما الاقتصاد فلا يعرف التجربة الحاسمة إلا نادراً، والفكرة فيه تُقبل بتراكم الأدلة وقوة الإقناع، وأكثر من نصف جوائز نوبل فيه مُنحت عن مجمل أعمال لا عن اكتشاف بعينه، وحين يغيب الحكم القاطع يحلّ اسم المؤسسة جزئياً محل الدليل، ويزيد الأمرَ أن الاقتصادي لا يحتاج إلى مختبر يربطه بمكانه، فتستطيع الجامعة الكبرى اجتذابه بسهولة، وأن أبواب النشر المؤثر تكاد تنحصر في 5 مجلات دورية كبرى، وهو ما سمّاه جيمس هيكمان، الحائز نوبل، «طغيان المجلات الخمس».

وقد يسأل سائل، عن تأثير ذلك على عموم الناس، والإجابة أن أفكار الاقتصاديين لا تبقى في قاعات المحاضرات، بل تخرج إلى البنوك المركزية، ووزارات المالية، وبرامج صندوق النقد الدولي، ثم إلى فاتورة كل بيت، وقد كتب جون ماينارد كينز، قبل 90 عاماً، أن الرجال العمليين الذين يظنون أنفسهم بمنأى عن أي تأثير فكري هم في الغالب أسرى لاقتصادي راحل، فإذا كان المطبخ واحداً، فإن أي خطأ في مكوّن من مكوناته يتذوقه الجميع في الوقت نفسه، ولعل أشهر مثال على ذلك سؤال الملكة إليزابيث في كلية لندن للاقتصاد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2008، وقد كانت الأزمة المالية تعصف بالعالم: لماذا لم يرَ أحد هذه الأزمة مقبلة؟ لم يكن السؤال عن خطأ اقتصادي واحد، بل عن بقعة عمياء يشترك فيها الجميع لأنهم تعلموا النظر من النافذة نفسها.

ولا يمكن لوم العقول الاقتصادية النيّرة في البحث عن البيئات المحفزة، تماماً كما يفضل لاعبو كرة القدم الانتقال إلى كبريات الأندية، وتركّزُ العقول في بعض الجامعات قد يعني الجودة لا الاحتكار، والورقة نفسها تعدّ وحدة المنهج في الاقتصاد ميزة حقيقية، لأنها تتيح مقارنة النتائج بين حقوله المختلفة بلغة مشتركة، ومن هذا المطبخ نفسه خرجت التجارب الميدانية التي اختبرت سياسات مكافحة الفقر في قرى الهند وكينيا ونالت «نوبل» 2019، فالمركز لا يعني بالضرورة الانغلاق على ما يجري خارجه، بل إن المؤلفين أنفسهم يعترفون بأن السجل المنشور لا يحسم أيهما أكبر، منافع هذا التركز أم كلفته.

والعجيب أن الاقتصاد نفسه يقدّم أداة للحكم على هذه المسألة، فالسوق التي يقل فيها عدد المورّدين لا يكون خطرها الأكبر بالضرورة في رفع السعر، بل في تشابه البضاعة، وحين تتشابه البضاعة يفقد المشتري حقه في الاختيار قبل أن يدرك ذلك، والمعرفة سوق كغيرها، وتشابه الأفكار فيها يعني أن الدول التي تستورد الوصفة الاقتصادية تستورد معها بقعتها العمياء، وتحذّر الورقة صراحة من أن النتائج المخالفة للمألوف قد تُشذَّب وتُستبعد وكأنها لا تعلّمنا شيئاً، والحل ليس في الثورة على المركز ولا في التقليل من قيمته، بل فيما يعرفه كل مستثمر حصيف: تنويع المحفظة، فكما لا يضع المستثمر ماله كله في سهم واحد مهما كان ممتازاً، لا ينبغي لاقتصاد أن يضع قراره كله في مدرسة فكرية واحدة، والتنويع هنا يعني مراكز بحث محلية تختبر الأفكار المستوردة على بيانات بلدانها قبل أن تتبناها، ولا عيب في أن يكون للعالم مطبخ ممتاز، العيب أن يكون له مطبخ واحد فقط!

 

نقلا عن الشرق الأوسط