تغير خريطة الإقراض

18/10/2026 0
ثامر السعيد

قد يرفض بنك تمويل شركة، ثم يمول الصندوق الذي منحها القرض نفسه. تبدو مفارقة، لكنها تختصر تحولاً مهماً في أسواق المال. فمنذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، اتجهت التشريعات إلى تعزيز متانة البنوك ومتطلبات رأس المال والسيولة، بينما اتسعت مساحة الإقراض خارجها. لم تتراجع حاجة الشركات إلى التمويل، وإنما ظهرت جهات أكثر استعداداً لتقديمه بشروط مختلفة، وبمخاطر يتحملها مستثمرون يبحثون عن عوائد أعلى.

صناديق الائتمان الخاص ليست مجرد منافس للبنوك؛ فهي تستطيع تمويل شركات متوسطة ومشاريع توسع واستحواذ قد لا تتناسب احتياجاتها مع القروض التقليدية. وقد يكون المقترض قادراً على النمو، لكنه يحتاج آجالاً أطول أو ضمانات مختلفة أو جدول سداد يرتبط بتدفقاته النقدية. هنا تظهر القيمة الاقتصادية لهذه الصناديق: توسيع قاعدة الشركات القادرة على الوصول إلى رأس المال، لا مجرد نقل القروض من مؤسسة إلى أخرى.

وتعكس الأرقام اتساع هذا الدور. فقد قدّر بنكا الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك ودالاس سوق الإقراض المباشر الأمريكية بأكثر من 1.3 تريليون دولار في أغسطس 2026. وفي الأشهر الـ9 الأولى من العام، جمعت صناديق الإقراض المباشر عالمياً نحو 129 مليار دولار، بزيادة 35% عن الفترة المماثلة.

لكن وفرة الأموال لا تعني بالضرورة وفرة الفرص؛ إذ انخفض حجم الإقراض الجديد في الربع الثالث 28% سنوياً، وفق بيانات سوقية. وهنا يبرز اختبار مهم: هل يحافظ مديرو الصناديق على معاييرهم عندما تتزايد الأموال الباحثة عن صفقات؟

فالمرونة لها ثمن أيضاً. وتشير دراسة للاحتياطي الفيدرالي في بوسطن إلى أن وسيط هامش الإقراض لدى شركات تطوير الأعمال يتراوح بين 4 و5 نقاط مئوية فوق معدل SOFR، مقارنة بنحو نقطتين لقروض شركات مرتفعة العائد في عينة أخرى. ولا تعني المقارنة تماثل المخاطر، لكنها توضح أن التمويل الأكثر مرونة قد يحمل تكلفة أعلى تعوض المقرض عن طبيعة المقترض والسيولة المحدودة.

والمفارقة أن البنوك لم تغادر هذه السوق تماماً. ففي بيانات نشرها الاحتياطي الفيدرالي في أكتوبر، بلغت القروض المصرفية لمؤسسات الائتمان الخاص الأمريكية المشمولة نحو 349 مليار دولار. قد يبتعد البنك عن إقراض الشركة مباشرة، لكنه يظل ممولاً للصندوق. وهذا لا يجعله مسؤولاً تلقائياً عن خسارة القرض النهائي؛ فحقوق المستثمرين والضمانات وأولوية السداد تحدد من يتحمل الخسارة أولاً. لكنه يوضح أن شبكة المخاطر أصبحت أكثر تشابكاً.

ولهذا حذر صندوق النقد الدولي هذا الشهر من الرافعة المالية وضغوط السيولة المحتملة، خصوصاً عندما تقابل القروض طويلة الأجل التزامات أقصر أجلاً. وفي المقابل، تستطيع الصناديق المغلقة الممولة برأس مال طويل الأجل استيعاب الخسائر دون ضغوط سحب فورية.

وتشير حركة إعادة التمويل إلى أن المنافسة بين القناتين ليست باتجاه واحد؛ فقد انتقلت قروض بقيمة 16.39 مليار دولار من الائتمان المباشر إلى سوق القروض المشتركة خلال الربع الثالث، مقابل 2.60 مليار في الاتجاه المعاكس. وهذا يذكرنا بأن المقترض يختار بين السعر والمرونة وسرعة التنفيذ، وأن التمويل الخاص ليس بديلاً دائماً عن البنك، بل خياراً يتغير وزنه بتغير ظروف السوق.

وفي النهاية، لا ينبغي أن نقيس نجاح الائتمان الخاص بعدد القروض التي انتزعها من البنوك، بل بالفرص التي جعل تمويلها ممكناً. فكل شركة واعدة تصل إلى رأسمال مناسب تضيف احتمالاً جديداً للنمو والتوظيف والاستثمار. لكن اتساع التمويل لا يصبح مكسباً مستداماً إلا إذا صاحبه تسعير منضبط للمخاطر، وممولون قادرون على تحمل خسائرهم. هكذا تتغير خريطة الإقراض: ليس فقط بتعدد المقرضين، بل باتساع الفرص التي يستطيع الاقتصاد تمويلها.

 

نقلا عن الاقتصادية